كشفت مصادر يمنية مطلعة عن قيام السلطات السعودية باعتقال الشيخ أبو الحسن السليماني المأربي، أحد أبرز رموز التيار السلفي في اليمن، بعد دخوله الأراضي السعودية قبل أسابيع. وتم نقل الشيخ السليماني إلى سجن الحائر في الرياض، حيث خضع لجلسات تحقيق مطوّلة شملت اتهامات بـ”الارتباط بتنظيم القاعدة”، وهي تهمة وصفتها مصادر قريبة منه بأنها باطلة ومفبركة، تعكس توجّهًا سعوديًا متصاعدًا نحو قمع العلماء المستقلين والتيارات غير الموالية لخطّ المؤسسة الدينية الرسمية التي يرعاها ولي العهد محمد بن سلمان.

هذا الاعتقال، الذي يأتي ضمن سلسلة من الاحتجازات التعسفية بحق دعاة يمنيين وسوريين ومصريين، يسلّط الضوء مجددًا على السياسة الأمنية التي ينتهجها النظام السعودي تجاه التيارات الدينية التي ترفض الانصهار في النموذج الجديد الذي يسعى ابن سلمان إلى فرضه تحت عنوان “الإسلام المعتدل”، بينما يصفه منتقدوه بأنه “إسلام الولاء والطاعة المطلقة”.

خلفية: صراع التيارات السلفية في اليمن ودور الرياض

الشيخ أبو الحسن السليماني يُعدّ من أبرز علماء التيار السلفي العلمي في محافظة مأرب، وهو مؤسس ومدير معهد دار الحديث الذي تخرّج منه مئات الطلبة. ويتميّز تياره باستقلال نسبي عن السلفية المدخلية (أو الجامية) التي تتلقى دعمًا فكريًا وتمويليًا من السعودية.

وخلافًا لتلك المدارس الموالية للسلطة، يُعرف السليماني بمواقفه الناقدة للانحرافات الفكرية والسياسية داخل التيار المدخلي، الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع مراكز النفوذ الدينية المرتبطة بالرياض.

بحسب مصادر مطلعة، فإن الاعتقال لا ينفصل عن هذا الصراع الفكري والمذهبي الداخلي؛ إذ تتبنّى الرياض منذ سنوات استراتيجية تقوم على دعم تيار “السلفية المطيعة” على حساب التيارات الأخرى، في إطار إعادة هيكلة المشهد الديني في اليمن بما يخدم رؤيتها السياسية والعسكرية هناك.

ويُرجَّح أن يكون تقارب الشيخ السليماني مع حزب التجمع اليمني للإصلاح –الذي تعتبره السعودية تيارًا متذبذبًا في الولاء– أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الأجهزة الأمنية إلى احتجازه.

الاعتقال كرسالة ترهيب: السياسة السعودية في مواجهة العلماء المستقلين

اعتقال السليماني لا يمكن فصله عن النهج الأمني الذي يتبعه ولي العهد محمد بن سلمان تجاه كل الأصوات الدينية التي لا تنضوي تحت سلطته. فمنذ صعوده إلى السلطة عام 2017، شنّت السلطات حملة اعتقالات واسعة شملت علماء بارزين مثل سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، وسعد البريك، وغيرهم من الدعاة الذين تم تهميشهم أو إسكاتهم قسرًا.

ويرى مراقبون أن النظام السعودي يعمل على تفكيك البنية الدينية التقليدية التي كانت تمثل أحد أعمدة الشرعية في المملكة، بهدف إحلال منظومة جديدة تقوم على الولاء الشخصي لولي العهد.

ففي الوقت الذي يتم فيه تمكين رموز السلفية “المدخلية” الداعية للطاعة المطلقة للحاكم، يتم تصفية أو إقصاء التيارات التي تطرح قراءة أكثر نقدية أو استقلالًا، حتى وإن كانت غير معارضة سياسياً في ظاهرها.

ويقول أحد المقربين من السليماني إن الهدف من الاعتقال هو “إرسال رسالة واضحة لكل العلماء اليمنيين المقيمين في المملكة، بأن أي تقارب مع الإصلاح أو رفض للخط المدخلي المدعوم من الرياض سيُعتبر تهديدًا أمنيًا”.

هذا التوجّه يعكس انتقال السعودية من مرحلة توظيف الدين لخدمة السياسة إلى مرحلة إخضاع الدين بالكامل لأجندة السلطة.

محمد بن سلمان وإعادة تشكيل المشهد الديني

منذ إطلاقه رؤية “السعودية 2030″، يعمل محمد بن سلمان على إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والدين، عبر الحدّ من نفوذ المؤسسة الوهابية التاريخية، وفتح المجال أمام “الترفيه والانفتاح الثقافي” مقابل إسكات كل معارض ديني أو فكري.

وفي هذا السياق، لم يعد يُسمح بوجود أي صوت ديني يتمتع بالاستقلال، سواء داخل المملكة أو في نطاق نفوذها الخارجي كاليمن.

ويرى محللون أن احتجاز السليماني يأتي في إطار توحيد الخطاب السلفي في المنطقة تحت مظلة الولاء السياسي للرياض، خاصة في ظل تصاعد أدوار الإمارات في الجنوب اليمني، ودعمها لتيارات سلفية منافسة.

وبالتالي، فإن الخطوة تحمل أيضًا بعدًا تنافسيًا بين محورَي النفوذ السعودي والإماراتي داخل السلفية اليمنية، حيث تسعى الرياض إلى تأكيد هيمنتها على المؤسسات الدينية هناك.

دلالات الاعتقال: من مكافحة الإرهاب إلى تكميم الأفواه

اللافت أن التهمة التي وُجهت إلى السليماني –وهي الارتباط بتنظيم القاعدة– أصبحت أداة نمطية تستخدمها الأنظمة القمعية لتبرير اعتقال المعارضين أو المختلفين فكريًا.

وفي الحالة السعودية، يُوظّف هذا الخطاب لإقناع الغرب بأن سياسات ابن سلمان تندرج ضمن “مكافحة التطرف”، بينما في الحقيقة يتم استهداف المستقلين والمفكرين الذين يرفضون الخضوع للوصاية السياسية.

يؤكد حقوقيون أن اعتقال السليماني ينسجم مع نمط الانتهاكات الحقوقية المتصاعدة في المملكة، من الإعدامات السياسية إلى محاكمات النشطاء السلميين، مما يعزز الصورة القاتمة عن واقع الحريات الدينية والفكرية في السعودية اليوم.

فبدلاً من أن تمثل المملكة نموذجًا للإصلاح، تحوّلت إلى مختبر للقمع المنظم تحت غطاء “التحديث والانفتاح”.

خاتمة: قمعٌ يتستر بالحداثة

يُعيد اعتقال الشيخ أبو الحسن السليماني إلى الأذهان السؤال الأعمق حول مستقبل المشهد الديني في ظل حكم محمد بن سلمان: هل يسعى ولي العهد فعلاً إلى إصلاح الفكر الديني أم إلى تفريغه من مضمونه ليصبح مجرد أداة دعائية في خدمة سلطته المطلقة؟

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السعودية الجديدة لا تتسامح مع أي خطاب يخرج عن “النص الرسمي”، حتى لو كان سلفيًا تقليديًا لا يتبنى العنف.

وبذلك، يتحوّل مشروع “الإصلاح الديني” المعلن إلى قناع لتبرير السيطرة الشاملة على المجال الديني والفكري، في الداخل والخارج على السواء.

اقرأ أيضًا ” عودة الأسرى الفلسطينيين رغماً عن أنف الاحتلال: لحظات النصر في غزة ورام الله