في لحظة سياسية فارقة، فجّر رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي قنبلة سياسية من العيار الثقيل، موجّهًا اتهامًا مباشرًا إلى الإمارات العربية المتحدة بأن ممارساتها في اليمن لم تكن يومًا جزءًا من الحرب على الإرهاب، بل كانت أحد أبرز أسباب إعادة إنتاجه وتغذيته. تصريحات العليمي لم تأتِ في فراغ، بل جاءت بعد سنوات من الفوضى الأمنية، وازدواجية القرار، وتكريس المليشيات، وكلها سياسات ارتبطت مباشرة بالدور الإماراتي في جنوب وشرق اليمن.

ازدواجية القرار.. الوصفة المثالية للفوضى
العليمي وضع إصبعه على جوهر الأزمة، حين أكد أن تعدد الولاءات، ووجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، وإدارة سجون غير قانونية، لا يمكن أن تقضي على الإرهاب، بل تصنع بيئة مثالية لازدهاره. هذا النموذج، الذي رعته أبو ظبي عبر دعم مليشيات محلية موالية لها، حوّل الجنوب اليمني إلى فسيفساء أمنية متصارعة، بلا مرجعية وطنية موحدة، ما أدى إلى تفكك سلطة الدولة وتآكل مفهوم السيادة.

سجون التعذيب.. حين يتحول “الأمن” إلى مصنع تطرف
أخطر ما كشفه العليمي يتمثل في الانتهاكات الجسيمة التي ظهرت إلى العلن بعد إنهاء الوجود الإماراتي، من تعذيب وإخفاء قسري داخل معتقلات غير قانونية. هذه السجون، التي طالما أنكرتها أبو ظبي، لم تكن سوى معامل لتفريخ النقمة والراديكالية، حيث يتحول الضحايا، بفعل القمع، إلى قنابل موقوتة. وهنا، يسقط الخطاب الإماراتي حول “مكافحة الإرهاب” سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًا مدويًا.

قرار سيادي واحد.. نهاية زمن المليشيات
في مواجهة هذا الإرث الثقيل، أعلن العليمي أن الدولة اليمنية شرعت في نقل المواجهة من مجرد “إدارة الخطر” إلى معالجة جذوره، عبر توحيد القرار الأمني والعسكري. هذه الخطوة شملت إخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة المؤقتة عدن وعواصم المحافظات، في محاولة جادة لإنهاء حالة “الدولة داخل الدولة” التي غذّتها الإمارات لسنوات.

الرياض تمسك العصا من المنتصف
في تطور لافت، كشف العليمي عن إتمام المملكة العربية السعودية صرف رواتب جميع التشكيلات العسكرية التي كانت ممولة سابقًا من أبو ظبي، إلى جانب تعزيز الموازنة العامة برواتب موظفي القطاع العام. هذه الخطوة لا تعكس فقط انتقالًا في مركز الثقل داخل التحالف، بل تشير أيضًا إلى رغبة سعودية في تصحيح المسار، بعد أن تحولت السياسات الإماراتية إلى عبء أمني وسياسي.

الحوار الجنوبي.. كسر احتكار الانتقالي
سياسيًا، أكد العليمي أن التحضيرات جارية لانعقاد الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية سعودية، وبمشاركة جميع المكونات دون إقصاء. هذا المسار يضرب في الصميم مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي استخدمته الإمارات كأداة لفرض أمر واقع انفصالي بالقوة، وإقصاء بقية القوى الجنوبية.

التفجيرات.. لغة من خسر النفوذ
تصريحات العليمي جاءت عقب تفجير استهدف موكبًا عسكريًا في عدن، في رسالة دموية تعكس حجم الفوضى التي خلفتها مرحلة المليشيات. هذا النوع من العمليات لا يمكن فصله عن بيئة الانفلات التي رعتها أبو ظبي، حيث تحولت الساحة إلى مسرح تصفية حسابات، كلما تراجع نفوذها.

إلغاء الاتفاقية.. طلاق سياسي مع أبو ظبي
قرار العليمي بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وخروج قواتها من اليمن مثّل إعلان قطيعة صريح مع الدور الإماراتي. الاتهامات بدعم سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة كشفت بوضوح أن أبو ظبي لم تكن شريكًا في استعادة الدولة، بل لاعبًا يسعى لتفكيكها والسيطرة على موانئها وسواحلها.

إنكار إماراتي مكرر.. بلا مصداقية
النفي الإماراتي لوجود سجون سرية، ووصفها بـ“ثكنات عسكرية”، لا يصمد أمام الشهادات والوقائع التي تكشفت تباعًا. هذا الإنكار يعيد إنتاج نمط معروف: الهروب إلى الأمام، واعتبار الجرائم “تفاصيل تقنية”، في استخفاف صارخ بدماء اليمنيين ومعاناتهم.

خلاصة المشهد
ما كشفه العليمي ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل تشريح عميق لمخطط إماراتي خبيث استخدم شعار “مكافحة الإرهاب” كغطاء لإعادة هندسة الجنوب اليمني على مقاس المصالح. اليوم، ومع انكشاف هذا الدور، تبدو اليمن أمام فرصة نادرة لاستعادة قرارها السيادي، شرط أن تُستكمل معركة تفكيك إرث المليشيات، ومحاسبة من غذّى الإرهاب بدل أن يحاربه.

اقرأ أيضًا : ألمانيا شريك في تسليح الإبادة بغزة.. تحقيق إسرائيلي يفضح ما وراء خطاب “التجميد”