في تطور خطير يكشف الأبعاد الإقليمية الخفية للحرب في السودان، بات مدرج جوي ناءٍ في جنوب شرق ليبيا أحد المفاصل الحاسمة التي أعادت رسم مسار الصراع الدموي، ليس فقط ميدانيًا، بل سياسيًا واستراتيجيًا، في حربٍ تحوّلت تدريجيًا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية تقودها الإمارات من وراء الستار.

مدرج ليبي خارج الرقابة.. بوابة الحرب السودانية
تشير إفادات أكثر من عشرات المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين والدبلوماسيين إلى أن مطارًا صغيرًا قرب مدينة الكفرة، الخاضع لسيطرة قائد ميليشيا ليبي متحالف مع الإمارات المتحدة، تحوّل إلى شريان إمداد حيوي لميليشيا الدعم السريع.
هذا المدرج، البعيد عن أي رقابة دولية فعلية، استُخدم لنقل أسلحة متطورة، وقود، ومرتزقة، في انتهاك صارخ لكل قرارات حظر التسليح، ومثّل حلقة الوصل الأساسية بين الدعم الإماراتي غير المعلن والآلة العسكرية للدعم السريع داخل السودان.
من الجنجويد إلى أداة إقليمية
ميليشا الدعم السريع ليست كيانًا طارئًا؛ فهي الامتداد المباشر لميليشيات “الجنجويد” التي استخدمها النظام السوداني قبل عقدين لقمع إقليم دارفور بوحشية. لكن ما تغيّر اليوم هو الراعي والدور.
منذ اندلاع الحرب المفتوحة مع الجيش السوداني في أبريل/نيسان 2023، إثر الخلاف على دمج القوات، تحوّلت هذه الميليشيا إلى أداة حرب بالوكالة، يجري توظيفها ضمن مشروع إقليمي تقوده أبوظبي لإعادة هندسة موازين القوة في السودان، حتى ولو كان الثمن إبادة جماعية وتشريد ملايين المدنيين.
بعد سقوط الخرطوم.. التدخل الإماراتي ينقذ الدعم السريع
في مارس/آذار، وبعد أن نجح الجيش السوداني في استعادة الخرطوم، بدا أن ميليشا الدعم السريع تتجه إلى هزيمة استراتيجية. لكن هذا التراجع لم يدم طويلًا.
فوفق مصادر عسكرية، شكّل خط الإمداد القادم من مطار الكفرة نقطة التحول الفاصلة، حيث تدفقت شحنات السلاح والوقود، ما سمح للدعم السريع بإعادة تنظيم صفوفه، واستئناف الهجوم، ليس دفاعًا عن مواقع، بل ضمن خطة توسّع عدوانية.
الفاشر نموذج الإبادة المدعومة
بلغ هذا الدعم ذروته في الهجوم الوحشي على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول، حيث تمكنت ميليشيا الدعم السريع من السيطرة على المدينة بعد حصار طويل وقصف عشوائي، سبقته إمدادات عسكرية مباشرة عبر ليبيا.
سقوط الفاشر لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل لحظة مفصلية سمحت للميليشيا بتكريس سيطرتها على إقليم دارفور، وفتح الطريق أمام سلسلة من التمدد الدموي نحو جنوب السودان، وسط صمت دولي مريب.
الإمارات.. إشعال الحرب ثم الاختباء خلف الأقنعة
رغم نفيها العلني، إلا أن الوقائع الميدانية ومسارات الإمداد وتطابق المصالح تكشف بوضوح دور الإمارات كـمؤجّج رئيسي للحرب. فالدعم الممنهج لقوات متهمة بجرائم تطهير عرقي لا يمكن تفسيره إلا في سياق مشروع نفوذ، يسعى للسيطرة على الموانئ، ومناجم الذهب، وخطوط التجارة، حتى لو كان ذلك على أنقاض دولة كاملة.
الإمارات لم تكتفِ بتغذية الصراع، بل ساهمت في إطالة أمده، ومنعت أي حسم قد يفتح باب تسوية سياسية، عبر إنعاش ميليشيا فقدت مشروعيتها محليًا ودوليًا.
حرب السودان لم تعد داخلية
ما يجري في السودان اليوم لم يعد “حربًا أهلية” بالمعنى التقليدي، بل حرب إقليمية مُقنّعة، تُدار من مطارات نائية، وتُموّل من عواصم بعيدة، ويُدفع ثمنها دمًا وجوعًا من الشعب السوداني.
مدرج الكفرة ليس مجرد مهبط طائرات، بل رمز لتواطؤ دولي يسمح للإمارات بتحويل ليبيا إلى منصة عدوان، والسودان إلى ساحة اختبار لمشاريع الهيمنة.
وفي ظل غياب المحاسبة، واستمرار تدفق السلاح، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يُترك السودان رهينة لمدارج سرية وقرارات سوداء تُصاغ خارج حدوده؟
اقرأ أيضًا : الأونروا تكشف حملة تضليل غير مسبوقة تستهدف تفكيكها من الاحتلال