في خطاب جديد يكشف عن عمق التورط الإماراتي في سياسة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، حاول أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، أن يقدّم هذه الخطوة كخيار استراتيجي سيادي، منتقدًا من يصفونها بالخيانة أو الفشل الأخلاقي.
وخلال كلمته في قمة الإعلام العربي بدبي، قال قرقاش إن “التطبيع فُهم خطأً” ويتم استغلاله كـ”فزاعة” للهروب من مواجهة “الواقع الجديد” الذي فرضته التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، وفق تعبيره.
لكن خلف هذا الخطاب المصقول تكمن أسئلة حقيقية عن دور الإمارات المتنامي في شرعنة الاحتلال وتفكيك الإجماع العربي حول فلسطين، وتحويل “التطبيع” من استثناء إلى قاعدة، تحت ذرائع براقة مثل التنمية والاستقرار.

تسويق الخيانة تحت مسمى الواقعية السياسية
من الواضح أن قرقاش لم يكن يوجّه خطابه للإعلام فقط، بل أيضًا للرأي العام العربي الذي بات أكثر إدراكًا لحجم التحولات التي تقودها أبو ظبي في المنطقة، وعلى رأسها إعادة هندسة العداء والصداقة.
فحين يقول إن “التطبيع خيار سيادي يخدم المصالح الوطنية”، يتجاهل حقيقة أن هذا الخيار جاء في لحظة تصعيد عنيف ضد الفلسطينيين، وأنه صبّ في مصلحة الاحتلال الذي وجد في اتفاقات أبراهام فرصة ذهبية لكسر العزلة الإقليمية دون دفع ثمن حقيقي للسلام أو إنهاء الاحتلال.
والمفارقة أن قرقاش اعتبر مناهضة التطبيع “جمودًا أيديولوجيًا” و”عيشًا في الماضي”، في تجاهل صارخ لحقيقة أن الشعوب العربية، رغم الأنظمة، ما زالت تعتبر إسرائيل عدوًا، وتدين جرائمها اليومية بحق الفلسطينيين، من اغتيالات واعتقالات إلى حصار وتجويع وقصف عشوائي.
التطبيع، وفق رؤية الإمارات، ليس فقط علاقة دبلوماسية، بل مشروع لإعادة صياغة الهوية السياسية للمنطقة، بحيث تُستبدل فلسطين بمصالح اقتصادية، والعدو التاريخي بشريك تجاري. وهي مقايضة لا تقبلها الشعوب حتى لو قبلتها بعض الأنظمة.
الإمارات والاحتلال: شراكة تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن
منذ توقيع “اتفاق أبراهام” في أغسطس 2020، اتخذت العلاقة بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي منحى تصاعديًا، بدأ بفتح السفارات والرحلات الجوية، وتطوّر إلى صفقات أمنية وتجسسية. إذ لم يكن التعاون مع شركة “NSO” المطورة لبرنامج بيغاسوس مجرد نشاط تجاري عابر، بل أحد أوجه هذا الاندماج الخطير بين نظامين يسعيان للسيطرة عبر المراقبة والتجسس.
كما أن الحديث عن “الاستقرار الإقليمي” الذي ردّده قرقاش، لا ينسجم مع الواقع، فالتطبيع لم يمنع إسرائيل من شن حرب مدمرة على غزة، ولم يحل دون اقتحامات المستوطنين للأقصى، ولا أوقف القصف المتكرر لسوريا ولبنان. بل إن ما حدث أن الاحتلال شعر بمزيد من الأمان في ظل اختراقه للمنطقة سياسيًا واقتصاديًا، مما زاد من عنفه وتطرفه.
ولعل أخطر ما تروّج له الإمارات هو أن التطبيع لا يستهدف أحدًا، “وخاصة إيران”، في حين تشير التحركات الإقليمية والعلاقات الاستخباراتية بين تل أبيب وأبو ظبي إلى أن هناك تنسيقًا عميقًا في ملفات حساسة، أبرزها أمن البحر الأحمر، وعمليات جمع المعلومات، وصفقات التسليح.
من التطبيع إلى التحالف الإستراتيجي: ماذا عن فلسطين؟
حاول قرقاش في خطابه إقناع الحضور بأن الاتفاق مع الاحتلال هو خطوة “نحو التنمية” و”فتح آفاق جديدة”، لكنه لم يتطرق مطلقًا إلى الفلسطينيين، وكأنهم باتوا خارج معادلة الوجود. لم يذكر شيئًا عن الانتهاكات اليومية في غزة والضفة، ولا عن المسجد الأقصى الذي تقتحمه القوات الإسرائيلية برفقة المستوطنين. لا حديث عن الجدار العنصري، أو عن الأسرى، أو عن أكثر من مليوني محاصر في قطاع غزة.
هذا الصمت، أو التجاهل المقصود، يعكس حقيقة الموقف الإماراتي: التطبيع ليس خطوة نحو السلام بل قطيعة مع فلسطين، واصطفاف صريح مع الاحتلال.
ومن اللافت أن قرقاش حمّل الرافضين للتطبيع مسؤولية تعطيل التنمية، متناسيًا أن الاحتلال ذاته هو العائق الأكبر لأي تنمية في المنطقة، وأنه ما زال يحتل أراضي، ويهجّر شعوبًا، ويقيم نظام فصل عنصري بشهادة مؤسسات دولية، منها “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”.
خاتمة: معركة الوعي لم تنتهِ
تصريحات أنور قرقاش ليست مجرد رأي سياسي، بل تعبير عن مسار خطير تسلكه الإمارات منذ سنوات، هدفه تقويض الموقف العربي من الاحتلال الإسرائيلي، وتحويل الخيانة إلى سياسة رسمية قابلة للتسويق. لكن معركة الوعي لم تنتهِ، والرأي العام العربي يزداد رفضًا لهذا النموذج.
لقد قدّمت الإمارات نموذجًا لتحالف السلطة مع العدو، وتجاهل الشعوب، لكن التاريخ علّمنا أن التطبيع لا ينجح حين يكون مفروضًا من فوق، وأنّ فلسطين، رغم كل الخيانات، تظل معيارًا أخلاقيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة.
اقرأ أيضًا : السودان يحترق بتمويل إماراتي: مذبحة جديدة للدعم السريع في ولاية الجزيرة تخلف 50 قتيلاً ومئات الجرحى