أثارت زيارة غير رسمية للمستشار السياسي والقانوني لقائد قوات “الدعم السريع” السودانية، محمد المختار النور، إلى العاصمة الموريتانية نواكشوط، جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن أهداف الزيارة، ومن يقف وراء تسهيلها، خاصة في ظل اتهامات متزايدة لدولة الإمارات بدعم هذه القوات المتهمة بارتكاب فظائع في الحرب السودانية الجارية.
ظهر المختار النور مساء الجمعة الماضية في أمسية ثقافية أقامتها “الخلافة العامة للطريقة القادرية في غرب أفريقيا” بقرية النمجاط جنوب نواكشوط، تكريمًا لسلطان دارفور أحمد علي دينار، غير أن ظهور المسؤول في قوات الدعم السريع خلال الفعالية أثار انتقادات غاضبة، خاصة أن زيارته لم يعلن عنها رسميًا، ولم تعرف طبيعتها، سواء كانت سياسية أم دينية أم اقتصادية.

جدل داخلي وانتقادات لاذعة
فور تداول صور زيارة مستشار قائد قوات الدعم السريع، انفجر جدل واسع بين نشطاء موريتانيين، الذين طالبوا بتوضيح رسمي لطبيعة الزيارة، وموقف الدولة منها.
نائب رئيس نقابة الصحفيين الموريتانيين، عزيز ولد الصوفي، دعا السلطات إلى الشفافية، معتبرًا أنه “في دولة القانون والديمقراطية يجب أن تكون الأمور واضحة”، خاصة أن المستشار النور “كثيرًا ما يُتهم بتجارة الذهب وارتباطه بأنشطة غير قانونية”.
أما الناشط باب سيد أحمد سيداتي، فكان أكثر حدة، إذ وصف الزيارة بأنها “استقبال لجزارين”، محذرًا من خطر الاحتفاء بشخصيات “مرتبطة بالقتل والنهب وتهريب الثروات”. وأضاف أن وجود هذه الشخصيات يجب أن يكون مدعاة للمتابعة القضائية، وليس التكريم أو الاحتفاء.
في السياق ذاته، حذر الناشط السياسي إسلكو محمد صالح من أن الشخصيات المرتبطة بـ”الدعم السريع” لا تمثل مشاريع تنموية، بل تمثل خطرًا حقيقيًا على أمن الدول، مشيرًا إلى ارتباطها بتهريب الذهب، وتبييض الأموال، ودعم الجماعات المسلحة التي أذاقت السودان ويلات الحرب.
توقيت مريب وزيارتان متزامنتان
أكثر ما أثار الشبهات هو تزامن زيارة المستشار السياسي لقائد الدعم السريع مع زيارة وفد برلماني موريتاني إلى الخرطوم قبل أيام قليلة، حيث التقى الوفد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
الصحفي الموريتاني أحمد محمد المصطفى طرح تساؤلات علنية عن علاقة الزيارتين، مشيرًا إلى احتمال أن تكون زيارة الوفد البرلماني قد مهدت دبلوماسيًا أو غطّت سياسيًا زيارة وفد من ميليشيا الدعم السريع إلى نواكشوط.
زيارة الوفد البرلماني الموريتاني جاءت تحت عنوان “التضامن مع السودان ضد محاولة الانقلاب”، حيث وصف وكيل الخارجية السودانية بالإنابة إدريس إسماعيل قوات الدعم السريع بأنها “فئة باغية”، مما يزيد من حدة التناقض، إذ كيف تعلن موريتانيا وقوفها مع الجيش السوداني، بينما تستقبل بشكل غير رسمي شخصيات محسوبة على الطرف الآخر؟
الإمارات في خلفية المشهد
الجدل حول زيارة المستشار السياسي لقائد الدعم السريع إلى موريتانيا لا يمكن فصله عن الاتهامات المتكررة لدولة الإمارات العربية المتحدة بتمويل ودعم قوات الدعم السريع، سواء عبر السلاح أو عبر تسهيلات لوجستية.
تقارير دولية، وأخرى صادرة عن الأمم المتحدة، تحدثت عن تورط أبوظبي بدعم حميدتي وقواته منذ بداية الحرب، عبر تزويدهم بالأسلحة والعتاد، بل وتسهيل عمليات تهريب الذهب الذي يُعد مصدر تمويل رئيسي لهذه القوات.
في هذا السياق، يُطرح احتمال قوي أن تكون زيارة المستشار السياسي إلى نواكشوط جزءًا من تحركات أوسع ضمن شبكة العلاقات الإقليمية التي تديرها أبوظبي، عبر النفوذ الديني أو الاقتصادي، مستفيدة من الأوساط الصوفية مثل الطريقة القادرية، التي تحظى بعلاقات واسعة في غرب أفريقيا.
دعم الإمارات لقوات الدعم السريع يأتي في إطار سياسة أوسع تسعى أبوظبي من خلالها إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا عبر الميليشيات والواجهات الاقتصادية، وهو ما أثار مخاوف حقوقيين ودبلوماسيين دوليين من أن تؤدي هذه السياسات إلى المزيد من زعزعة الاستقرار في القارة.
خاتمة: قلق متزايد وأسئلة مفتوحة
تتزايد المخاوف في موريتانيا من أن تكون هذه الزيارة غير الرسمية بداية لتورط البلاد بشكل غير مباشر في النزاع السوداني، أو ساحة عبور لمشاريع إقليمية خطرة تمولها أطراف خارجية.
ويطالب مراقبون السلطات الموريتانية بتوضيح موقفها رسمياً، ومنع استغلال أراضيها لأي تحركات مشبوهة تهدد الأمن الداخلي أو الإقليمي.
في ظل حرب مدمرة أدت إلى مقتل أكثر من 20 ألف سوداني وتشريد أكثر من 15 مليون آخرين، كما تقول الأمم المتحدة، فإن أي محاولة لتلميع أو استضافة شخصيات مرتبطة بجرائم حرب ستكون وصمة في جبين أي دولة تدعي الحياد أو احترام القيم الإنسانية.
اقرأ أيضًا : عدوان جديد على نازحي السودان.. “الدعم السريع” يقصف مخيمًا للنازحين ويقتل أمًا وأطفالها بطائرات إماراتية