في فصل جديد من إرهاب المستوطنين الممنهج والمدعوم من جيش الاحتلال، أقدم مستوطنون إسرائيليون فجر الخميس على إحراق أجزاء من مسجد الحاجة حميدة في بلدة دير استيا بمحافظة سلفيت شمالي الضفة الغربية، في جريمة تحمل دلالات دينية وسياسية خطيرة، وسط صمت مطبق من السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس رغم اتساع رقعة العنف الذي يلتهم الضفة الغربية منذ بداية حرب غزة قبل عامين.

وبحسب شهود عيان، فقد اقتحمت مجموعة من المستوطنين البلدة تحت حماية قوات الاحتلال، وسكبوا مواد سريعة الاشتعال داخل المسجد قبل إشعال النار فيه، ثم خطوا شعارات عنصرية بالعبرية على جدرانه. وتمكّن الأهالي من إطفاء الحريق بصعوبة بعدما طال أجزاء من المصلى وممتلكاته، في مشهد يذكّر بسلسلة طويلة من الاعتداءات على المساجد والكنائس والأوقاف الإسلامية والمسيحية التي تُستهدف بوتيرة غير مسبوقة في الضفة.

 

هجمات متصاعدة وعمليات اعتقال واسعة

وبالتزامن مع الجريمة، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة طالت 18 فلسطينياً في بلدة دورا جنوب الخليل، تخللتها عمليات تفتيش عنيفة واحتجاز ميداني لسكان المنطقة، في إطار سياسة “الكيّ بالنار” التي ينتهجها الجيش لترهيب الفلسطينيين وفرض السيطرة على المدن والبلدات المحاصرة.

كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة الدوحة غرب بيت لحم، وتمركزت في وسط البلدة ودهمت منازل وفتشتها، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، في تكرار لمشاهد الاقتحامات الليلية التي باتت جزءا من الحياة اليومية للفلسطينيين.

ولم تتوقف حلقات العنف عند هذا الحد؛ فبلدة سِنجل شمال رام الله شهدت هجوماً مسلحاً نفذه مستوطنون، أسفر عن إصابة شاب فلسطيني برصاصة في القدم بعد إطلاق المستوطنين زخات من الرصاص على لجنة الحراسة الشعبية التي تتولى حماية البلدة من الاعتداءات.

بلدية سِنجل وصفت الهجوم بأنه محاولة لـ”فرض واقع استيطاني جديد على الأرض”، وهي لغة باتت تتردد في معظم تصريحات المجالس المحلية الفلسطينية خلال العامين الماضيين، مع التصاعد الهائل في هجمات المستوطنين.

 

إرهاب المستوطنين بالأرقام: عامان من العنف الممنهج

تشير أرقام هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن المستوطنين نفذوا:

  • 7154 اعتداء خلال عامي حرب الإبادة على غزة.
  • أسفرت عن مقتل 33 فلسطينياً.
  • وتشريد 33 تجمعاً سكانياً بالكامل.

أما اعتداءات الجيش والمستوطنين معاً فقد أدت إلى:

  • مقتل أكثر من 1070 فلسطينياً في الضفة.
  • إصابة نحو 10,700.
  • اعتقال أكثر من 20,500 فلسطيني.

وهي أرقام تكشف أن الضفة الغربية، رغم بُعدها عن ساحة القتال المباشر، تعيش حرباً موازية لا تقل وحشية عما يجري في غزة.

جذوة الإبادة لم تنطفئ: غزة تنزف والضفة تحترق

الاعتداءات الحالية تأتي في سياق عامين من الإبادة المفتوحة في قطاع غزة، والتي خلفت:

  • 69 ألف شهيد.
  • أكثر من 170 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال.

ورغم وجود اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين “حماس” وإسرائيل، فإن الاحتلال يخرق الاتفاق يومياً، منفذاً عمليات اغتيال واقتحامات وقصف متفرق، بالتزامن مع منع دخول الإغاثة والأدوية بشكل شبه كامل.

 سياسة رسمية لتفريغ الضفة من الفلسطينيين

تكشف الوقائع المتلاحقة أن اعتداءات المستوطنين ليست أحداثاً عابرة، بل جزء من سياسة إسرائيلية متكاملة تهدف إلى:

  1. ترهيب الفلسطينيين ودفعهم للهجرة الداخلية والخارجية.

  2. توسيع البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى مستوطنات دائمة.

  3. تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقبلية.

  4. خلق واقع جغرافي جديد يجعل السيطرة الإسرائيلية أمراً مفروضاً عملياً قبل أي مفاوضات سياسية محتملة.

الهجمات على المساجد تحديداً تُظهر بعداً إضافياً: محاولة كسر الروح المعنوية والدينية للمجتمع الفلسطيني وإرسال رسالة بأن السيادة الإسرائيلية تمتد حتى إلى الرموز المقدسة.

صمت محمود عباس.. غياب القيادة في أخطر لحظة

ورغم هذا الانفجار الواسع للعنف، يواصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس التزام الصمت، دون اتخاذ خطوات عملية لحماية الفلسطينيين في الضفة أو دعم تشكيل لجان الحراسة الشعبية، أو حتى التحرك دبلوماسياً بشكل فعال لوقف اعتداءات المستوطنين.

ويشير مراقبون إلى أن:

  • السلطة تكتفي بالبيانات الشكلية.

  • التنسيق الأمني مستمر رغم توسع الاستيطان.

  • الأجهزة الأمنية تمنع أي تنظيم شعبي للدفاع عن القرى.

وهو عجز يرى فيه كثير من الفلسطينيين تواطؤاً بالصمت يتيح للمستوطنين استكمال مخططات “الحرق والتهجير”.

 خلاصة: الضفة في مواجهة مفتوحة.. والمستوطنون يفرضون القانون بالنار

إحراق مسجد دير استيا ليس حادثاً منفرداً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من العنف المنظم الذي يهدف إلى تغيير هوية الضفة الغربية وفرض السيطرة عليها بالقوة. وفي ظل غياب ردع دولي وغياب قيادة فلسطينية فاعلة، يواصل المستوطنون تنفيذ مخططاتهم بنهج “العقاب الجماعي” وحرق البيوت والمزارع والمساجد.

الضفة اليوم أمام موجة استيطانية غير مسبوقة، تتغذى على صمت رسمي فلسطيني، وانحياز أميركي، وحماية عسكرية إسرائيلية كاملة… بينما يواصل الفلسطينيون دفع الثمن وحدهم، في القرى والحقول والشوارع، مقاومين بالحياة والنار محاولة اقتلاعهم من أرضهم.

اقرأ أيضًا : إجرام محمد بن زايد يلاحق الكلمة الحرة.. الكويت تخفي أكاديميًا بعد فضحه دور الإمارات في حرب السودان