هذا هو الجزء الثاني من التحقيق حول مسلسل الفضائح الذي يفضح الوجه الحقيقي لدبي. فبعد أن عرضنا في الجزء الأول كيف تحولت الإمارة إلى ملاذ لعصابات المافيا الأسكتلندية، نتابع هنا تفاصيل فضيحة الاعتقالات الأخيرة وما كشفت عنه من تواطؤ وصمت رسمي.

في منتصف سبتمبر، نفذت شرطة دبي عملية وصفت بالمفاجئة استهدفت أربعة من أخطر الأسماء في عالم الجريمة المنظمة: ستيفن ليونز، روس ماكغيل، ستيفن جاميسون، وستيفن لارود. جميعهم زعماء أو شركاء أساسيون في الحروب الدموية بين عائلتي ليونز ودانييل، وجميعهم اتخذوا من دبي مقراً لإدارة صفقاتهم القذرة بعيداً عن يد القانون في أوروبا.

لكن بدلاً من أن يكون الاعتقال إعلاناً عن تفكيك شبكات الجريمة في الإمارات، فجّر ما حدث أسئلة أكبر: لماذا هؤلاء بالتحديد؟ ولماذا الآن؟ وما الذي يعنيه صمت شرطة دبي ورفضها حتى الاعتراف بتفاصيل القضية؟

شرطة دبي اكتفت برسالة مقتضبة عبر البريد الإلكتروني ردًا على أي استفسار من أي جهة، جاء فيها: “لا يمكننا مشاركة هذه المعلومات بسبب السرية.” لا تفاصيل، لا ملفات، لا بيانات للرأي العام. وكأن الإمارة تخشى أن ينكشف المستور: أن أراضيها تحولت إلى قاعدة إقليمية للجريمة المنظمة، وأنها استضافت لسنوات زعماء مافيا فارّين من العدالة.

الارتباط بين هؤلاء الأربعة ودبي ليس مجرد مكان إقامة عابر، ستيفن ليونز استقر هناك بعد هروبه من غلاسكو، وبنى علاقات وثيقة مع عصابة “كيناهان” الأيرلندية، وهي واحدة من أكبر شبكات التهريب وغسيل الأموال في العالم، تتخذ من دبي مقراً رئيسياً لها. التقارير الاستقصائية أكدت أن هذه العصابة استثمرت ملايين في العقارات الفاخرة بالإمارة، ما جعل دبي جزءاً أساسياً من بنيتها المالية.

روس ماكغيل أيضاً لم يكن مجرد مقيم، بل استخدم دبي كغرفة عمليات لإدارة موجة من العنف في إدنبرة وغلاسكو. من هناك خرجت التعليمات بعمليات حرق متعمد واعتداءات استهدفت حتى الأبرياء. وسائل التواصل الاجتماعي امتلأت بتهديدات مصوّرة من جماعته “تامو خونتا”، في استعراض علني للقوة، بينما كان يقيم بأمان في أبراج الإمارة.

ستيفن جاميسون، أحد المعتقلين، ارتبط اسمه بمحاكمة ضخمة في غلاسكو العام الماضي تخص محاولة تهريب كوكايين بقيمة 100 مليون جنيه داخل صناديق موز من أمريكا الجنوبية. في تلك القضية، ذُكر اسمه كمتهم رئيسي، لكن مكانه كان “مجهولاً”. الآن فقط تبيّن أنه كان يقيم في دبي.

كل هذه الوقائع تجعل من دبي أكثر من مجرد مسرح اعتقالات. هي فضيحة تكشف أن الإمارة لم تكن جاهلة بوجود هؤلاء، بل وفرت لهم بيئة مناسبة: حرية حركة، غياب الرقابة المالية، وسوق عقارات مفتوحة تستوعب الأموال القذرة.

الفضيحة تتسع أكثر إذا نظرنا إلى التاريخ القريب. دبي لطالما عُرفت بأنها ملاذ لكبار المطلوبين دولياً، حيث يجدون فيها الأمان والقدرة على إعادة تدوير أموالهم. ما حدث مع “أربعة دبي” ليس سوى استثناء فرضه الضغط الدولي، خاصة بعد تزايد الانتقادات للإمارات بشأن دورها في حماية العصابات وغسل الأموال.

الحديث عن تسليمهم إلى بلادهم لا يزال غير محسوم. صحيح أن الإمارات بدأت مؤخراً تسلّم بعض المطلوبين، كما حدث مع شون ماكغفرن إلى أيرلندا، لكن الملف معقد. المحامون الحقوقيون حذّروا من أن التعاون الجديد قد يفتح الباب لتسليم مواطنين عاديين إلى الإمارات، حيث يواجهون خطر المحاكمات غير العادلة والتعذيب.

السلطات البريطانية بدورها لم تحصل على أجوبة واضحة. BBC تواصلت مع حكومة دبي، السفارة الإماراتية في لندن، والسفارة البريطانية في الإمارات، لكن الردود إما كانت غائبة أو مبهمة. وحتى اللحظة، لا أحد يعرف بدقة ما إذا كان الأربعة ما زالوا محتجزين أم في انتظار الترحيل.

الأمر المؤكد أن هذه القضية كسرت شعور الحصانة الذي عاشه مجرمو المافيا في الخليج لسنوات. دبي التي سُوّقت على أنها “مدينة الأعمال والسياحة”، انكشفت كملاذ يتجمع فيه كبار المجرمين، حيث تُغسل الأموال وتُدار صفقات المخدرات تحت ستار الاستثمار.

وهكذا، فإن مسلسل الفضائح الجنسية والمالية والمافياوية في دبي يتواصل بلا توقف. من قضايا استغلال النساء، إلى غسيل الأموال، وصولاً إلى عصابات المافيا الأوروبية، تتكشف الفضيحة تلو الأخرى. الاعتقالات الأخيرة لم تكن سوى فصل جديد في حكاية طويلة، تؤكد أن الإمارة الفاخرة لم تعد مجرد مركز للأبراج اللامعة، بل أصبحت عاصمة للقاذورات التي يصنعها الأثرياء والمافيات العالمية.