تشهد الجبهات السودانية تصعيدًا خطيرًا مع توسع رقعة القتال الذي تقوده قوات الدعم السريع، المدعومة سياسيًا وعسكريًا من الإمارات وفق تقارير غربية وأممية، لتصل نيرانها هذه المرة إلى مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، بعد يوم واحد فقط من استهداف مدينة الأُبيّض بشمال كردفان.

مصادر أمنية أكدت للجزيرة أن المضادات الأرضية للجيش السوداني تصدت لمسيرات انقضاضية حاولت قصف مواقع حيوية في مدينة الدمازين، بينما أفاد شهود بأن الانفجارات دوت في أطراف المدينة مع تصاعد أعمدة الدخان، في مؤشر على تصعيد نوعي باستخدام الطائرات المسيّرة بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، العاصمة الإدارية لشمال دارفور.

ويقول مراقبون إن تكثيف الدعم السريع لاستخدام الطائرات المسيّرة يعكس تحوّلًا في تكتيكات القتال من المواجهة المباشرة إلى حرب استنزاف بعيدة المدى، تستهدف المدن الكبرى في كردفان والنيل الأزرق، في مسعى لإرباك الجيش وفتح جبهات متعددة تضعف قدرته على الدفاع.

وفي المقابل، أعلن الجيش السوداني إسقاط مسيرة بعيدة المدى في مدينة الأُبيّض، كانت تستهدف مناطق مأهولة بالسكان، ما تسبب خلال الأيام الماضية في خسائر كبيرة في ممتلكات المدنيين، وفق بيان رسمي. كما أكد مصدر عسكري أن الدفاعات الجوية تمكنت من اعتراض عدة مسيّرات قادمة من غرب البلاد، في وقت تتحدث فيه تقارير عن تحشيدات جديدة لقوات الدعم السريع في تخوم ولايات كردفان تمهيدًا لهجوم واسع.

كارثة إنسانية متفاقمة في الفاشر.. والنزوح يتسع شمالًا

بالتوازي مع الهجمات الجوية، تتكشف المأساة الإنسانية في إقليم دارفور يوماً بعد يوم، حيث تتزايد أعداد النازحين الفارين من مدينة الفاشر التي تحولت إلى مدينة أشباح بعد أسابيع من القصف والحصار.

وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح أعلن أن 50 ألف نازح من الفاشر وصلوا إلى محلية الدبة بالولاية الشمالية، في موجة نزوح جديدة تعكس حجم المأساة التي يعيشها الإقليم. وأوضح أن قوات الدعم السريع ما زالت ترتكب الجرائم بشكل ممنهج داخل المدينة، وتمنع آلاف المدنيين من الخروج، في مشهد يعيد إلى الأذهان فظائع دارفور في العقد الأول من القرن الحالي.

وفي زيارة ميدانية، تفقد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مخيم العفاض الذي يؤوي آلاف النازحين من الفاشر، واستمع لاحتياجاتهم ووعد بتوفير المساعدات الطبية والغذائية العاجلة.

غير أن مراقبين يرون أن هذه الوعود تبقى محاولات رمزية لاحتواء الغضب الشعبي في ظل غياب خطة حكومية شاملة لاستيعاب ملايين النازحين الذين يعيشون في ظروف قاسية، وسط نقص فادح في الغذاء والدواء والمياه النظيفة.

مندوب ولايات كردفان لدى مفوضية العمل الطوعي أحمد بابكر آدم حذر من تدهور الوضع الإنساني للنازحين الذين وصلوا إلى الخرطوم، مشيرًا إلى أن نحو 16 ألف شخص فروا من مناطق القتال في كردفان خلال أيام قليلة، وأن معظمهم يقيمون في منازل أقاربهم دون مساعدات كافية.

وتقدر منظمات الإغاثة أن أكثر من 13 مليون سوداني شُرّدوا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

اتهامات متصاعدة للإمارات.. تمويل الحرب وتعقيد السلام

تزايدت في الأسابيع الأخيرة الانتقادات الموجهة إلى دولة الإمارات بوصفها الممول الرئيس لقوات الدعم السريع، وهو ما أكده عدد من التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وصحيفة وول ستريت جورنال، التي تحدثت عن تورط أبوظبي في تزويد قوات حميدتي بالأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة عبر شبكات لوجستية معقدة تمر عبر تشاد وليبيا.

ويرى محللون أن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع لا يهدف فقط إلى تقوية نفوذها العسكري، بل إلى تشكيل خريطة جديدة للنفوذ الإقليمي تمتد من غرب السودان حتى البحر الأحمر، بما يخدم مشاريع أبوظبي في السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة.

في هذا السياق، حذر حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي من أن أي هدنة لا تتضمن حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم ستكون بمثابة تمهيد لتقسيم السودان فعليًا. ودعا من وصفهم بـ”الجنجويد والمرتزقة” إلى الانسحاب من المناطق السكنية والمستشفيات والإفراج عن المختطفين، بينهم نساء وأطفال.

أما مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان فقد أصدر بيانًا وصف فيه ما يجري في الفاشر بأنه “فظائع على نطاق لا يمكن تصوره”، مشيرًا إلى أن مئات المدنيين قُتلوا خلال الأيام العشرة الماضية، وأن الهجمات كثيرًا ما تُنفذ على أساس عرقي. كما أكد أن آلاف الأشخاص اعتقلوا، بينهم كوادر طبية وصحفيون، وأن الطرق مقطوعة والمساعدات الإنسانية لا تصل إلى المدينة المحاصرة.

هذه التطورات تأتي فيما تتزايد الدعوات الدولية لمحاسبة قادة الدعم السريع أمام المحكمة الجنائية الدولية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدبلوماسية على الإمارات لوقف تدخلها العسكري غير المعلن، والذي ساهم —وفق محللين— في إطالة أمد الحرب وإفشال مساعي الوساطة بين الطرفين.

خاتمة: السودان في مهب العاصفة

مع استمرار الهجمات الجوية للمسيّرات على مدن الجنوب والوسط، وتفاقم الكارثة الإنسانية في الغرب، يبدو السودان اليوم على عتبة مرحلة أكثر خطورة. فبينما يحاول الجيش الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة، تسعى قوات الدعم السريع —المتهمة بتلقي دعم خارجي من الإمارات— لتكريس واقع التقسيم الميداني عبر السيطرة على المراكز الحيوية.

وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف النزيف السوداني، يظل المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن، بين قصفٍ من السماء وحصارٍ على الأرض، فيما تتسع رقعة الدمار والنزوح لتغدو البلاد بأكملها ساحة حرب بلا أفق لنهايتها.

اقرأ أيضًا : إضراب الغنوشي.. صرخة جديدة ضد قمع قيس سعيّد وخنق الحريات في تونس