في تطور لافت يعكس استمرار التوتر الإقليمي المتصاعد، أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم الأربعاء اعتراض طائرة مسيّرة قالت إنها “على ما يبدو” أُطلقت من الأراضي اليمنية، في إشارة واضحة إلى تجدد الهجمات الحوثية ضمن حملة “نصرة غزة” التي يقودها أنصار الله منذ أكتوبر الماضي.
وبينما التزمت الجماعة الصمت، فإن المؤشرات كافة ترجّح استمرار سياستها في الضغط على إسرائيل من الجبهة الجنوبية، لتبقى سماء المنطقة مفتوحة على احتمالات تصعيد قد يتجاوز الحسابات الحالية.

المسيّرة الجديدة.. رسائل متجددة من صنعاء إلى تل أبيب
أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو تمكّن من اعتراض طائرة مسيّرة قبل أن تدخل المجال الجوي الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن مصدرها “على ما يبدو” هو اليمن، في تلميح غير مباشر إلى جماعة الحوثي دون اتهام صريح. ورغم عدم تبني أنصار الله للعملية حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فإن الإعلان الإسرائيلي ينسجم مع نمط الهجمات الذي دأبت الجماعة على تنفيذه خلال الأشهر الماضية.
وقد بات من المعلوم أن الحوثيين تبنوا استراتيجية هجومية “غير تقليدية” منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، وركّزوا على ما يسمونه “الردع البحري والجوي”، عبر استهداف سفن تجارية مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، وإطلاق صواريخ ومسيّرات على موانئ ومطارات داخل الأراضي المحتلة. وجاء الهجوم الجديد -إن تأكدت نسبته إلى الحوثيين- بمثابة تذكير بأن اليمن ما يزال جزءًا من المعادلة الإقليمية، رغم الضربات التي تلقتها صنعاء في الشهور الماضية.
بين الردع والدعم.. الحوثي يواصل الانخراط في معركة غزة
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، سارع الحوثيون إلى إعلان موقفهم الداعم للمقاومة الفلسطينية، متعهدين بأن “كل من يساند العدوان على غزة سيُستهدف”. وقد تحوّل هذا الموقف إلى عمليات فعلية تمثلت بهجمات متكررة على سفن إسرائيلية أو مرتبطة بها في البحر الأحمر، إلى جانب إعلان حظر جوي على مطار بن غوريون، وحصار بحري رمزي على ميناءي حيفا وإيلات.
وتؤكد تحركات الجماعة في هذا السياق انتقالها من الخطاب السياسي إلى الفعل العسكري، متجاوزة حدود الدعم الإعلامي أو الخطابي، وهو ما أعاد تموضع اليمن كلاعب في المعادلة الإقليمية الأوسع. كما بات واضحًا أن الحوثيين لا يربطون تدخلهم بحسابات الداخل اليمني فقط، بل يرون في دعم غزة جزءًا من صراعهم الشامل مع “المحور الأمريكي الإسرائيلي”، كما يعبّرون في بياناتهم.
لكن هذا الانخراط لم يمر دون رد. فقد شنت إسرائيل سلسلة غارات جوية عنيفة على أهداف داخل اليمن، طالت مطار صنعاء الدولي، ومرافق في موانئ رأس عيسى والصليف والحديدة، ما أدى إلى تدمير بنى تحتية مدنية. ورغم ذلك، لم تتوقف جماعة الحوثي عن عملياتها، بل اعتبرت أن هذه الهجمات تعزز من شرعية خياراتها العسكرية.
ما وراء التصعيد.. هل يشتعل المحور الجنوبي؟
السؤال الأهم في هذا السياق يتعلق بإمكانية تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة مفتوحة مباشرة مع إسرائيل. فالهجمات الحوثية الأخيرة، سواء البحرية أو الجوية، والردود الإسرائيلية عليها، تشير إلى أن الجبهة الجنوبية لم تعد بعيدة عن مسرح العمليات، خاصة مع التقاطع الجغرافي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كما أن استمرار العمليات يعكس استثمارًا حوثيًا سياسيًا في ملف غزة، بهدف تعزيز مشروعية الجماعة في الداخل اليمني، وإعادة تقديم نفسها لاعبًا إقليميًا فاعلًا في محور “المقاومة”. وفي المقابل، يبدو أن إسرائيل تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، ما يفسّر تكرار الضربات الجوية على مواقع يمنية، رغم بعد المسافة الجغرافية.
والمفارقة هنا أن اليمن، رغم ما يعانيه من حصار وانهيار اقتصادي منذ أكثر من ثماني سنوات، استطاع بوسائل بسيطة -كالمسيّرات والصواريخ المجنحة- أن يفرض نفسه طرفًا يُحسب له الحساب في المشهد الإقليمي، وأن يربك حسابات البحرية الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي حال تكررت الهجمات اليمنية، فقد تفتح الباب أمام ردود إسرائيلية أشد، ما يضع المنطقة على حافة تصعيد أكبر يشمل أطرافًا إقليمية أخرى، خاصة أن بعض التحليلات تشير إلى تنسيق غير مباشر بين طهران وصنعاء في هذا المسار، في ظل تلاقي الأهداف ضد إسرائيل وحلفائها.
خاتمة: اليمن من الهامش إلى مركز الصراع
لم تعد العمليات الحوثية مجرّد ردود عاطفية على ما يجري في غزة، بل أصبحت جزءًا من منظومة دعم متواصلة تنفذها الجماعة بانتظام، رغم المخاطر. ويبدو أن أنصار الله اختاروا الاستمرار في هذا الدور، حتى لو دفعهم إلى مواجهة مباشرة مع تل أبيب، وربما مع واشنطن أيضًا.
وفي هذا السياق، يعكس اعتراض المسيّرة الأخيرة استمرار الاشتباك غير المباشر بين اليمن وإسرائيل، ويطرح أسئلة عن مدى قدرة “المقاومة اليمنية” على الصمود في وجه التصعيد الإسرائيلي، خاصة إذا دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة بشكل مباشر.
لكن المؤكد حتى اللحظة أن ساحة غزة لم تعد مقتصرة على جغرافيا فلسطين، بل تحولت إلى ساحة إقليمية مترابطة، فيها لليمن والعراق وسوريا ولبنان وإيران أدوار متداخلة، وهو ما يعقّد آفاق الحل، ويجعل أي تهدئة مرهونة بوقف العدوان الإسرائيلي، وإلا فإن “المسيّرات من صنعاء” ستواصل طريقها نحو الجنوب الإسرائيلي.
اقرأ أيضا : عمليات نوعية شرق خانيونس.. القسام يبعث برسائل نارية في عام المقاومة الثاني