في مشهد يُلخص وحشية الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين، وثّقت كاميرات الإعلام صورًا مروعة للحظة استهداف الطفلة الفلسطينية آمنة أشرف المفتي، بصاروخ أطلقته طائرة استطلاع إسرائيلية بينما كانت تحاول تعبئة الماء في منطقة جباليا شمال قطاع غزة.
الحادثة التي وقعت في 24 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تحولت إلى رمز جديد للمأساة الإنسانية في غزة، حيث بات الأطفال بين قتيل وجريح وجائع ومشرّد، في حرب تُدار بمنطق الإبادة الجماعية، بعيدًا عن أي معايير قانونية أو إنسانية.

طفلة تبحث عن الماء.. والموت في انتظارها
بثّت قناة الجزيرة لقطات مباشرة تُظهر الطفلة وهي تحمل وعاءً فارغًا في طريقها لملئه من مصدر قريب. كان المشهد بسيطًا؛ طفلة صغيرة أرهقها الجوع والعطش في ظل الحصار، تحاول العودة إلى أسرتها بالماء. لكن الطائرة المسيّرة الإسرائيلية رصدت تحركاتها، وأطلقت صاروخًا مباشرًا أنهى حياتها في لحظات، وحوّل جسدها النحيف إلى أشلاء متفحمة. بعد أيام قليلة فقط، ارتقت والدتها أيضًا جراء قصف مماثل، لتُطوى صفحة أسرة كاملة تحت ركام الغارات.
هذه الجريمة تعكس ما تعيشه غزة يوميًا؛ حيث لم يعد المدنيون في مأمن، حتى الأطفال الذين لا يتجاوز حلمهم شربة ماء أو لقمة طعام، باتوا أهدافًا عسكرية في نظر الاحتلال.
https://twitter.com/i/status/1957056473852252502
أطفال غزة بين القصف والتجويع
الأمم المتحدة نشرت عبر منصتها الرسمية تصريحًا صادمًا جاء فيه: “الأطفال في غزة يموتون نتيجة التجويع والقصف، عائلات بأكملها وأحياء كاملة وجيل كامل يُمحى من الوجود”. هذه الكلمات تلخص حجم الكارثة، إذ لم يعد القتل مقتصرًا على الصواريخ، بل أصبح التجويع سلاحًا إضافيًا لإبادة المدنيين.
الأرقام المفزعة التي نشرتها وكالة الأونروا تعكس المأساة بوضوح: أكثر من 50 ألف طفل ما بين قتيل وجريح منذ بدء العدوان، بينما يعيش 1.2 مليون طفل تحت خطر سوء التغذية والجوع، بينهم 40 ألف رضيع دون العام الأول يتهددهم الموت يوميًا بسبب غياب الحليب وانعدام الغذاء. أما الأطفال الذين فقدوا ذويهم، فيصل عددهم إلى نحو 17 ألف طفل يعيشون بلا سند، في مخيمات نزوح أشبه بمقابر جماعية.
الإبادة الجماعية بدعم أمريكي وصمت دولي
منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يخوض الاحتلال حربًا وُصفت دوليًا بأنها إبادة جماعية ممنهجة، تشمل القتل، التدمير، التهجير القسري، والتجويع، بدعم أمريكي مفتوح، وتجاهل كامل لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان. الحصيلة الكارثية لهذه الحرب تجاوزت 61 ألف شهيد و155 ألف جريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كما لا يزال أكثر من 9 آلاف فلسطيني في عداد المفقودين، بينهم المئات تحت الأنقاض.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل تعني أن آلاف البيوت تحولت إلى قبور، وأن جيلًا كاملًا يُمحى من خارطة الحياة، وسط تواطؤ دولي مكشوف، وصمت من الأنظمة العربية التي اكتفت بالشجب اللفظي أو الانحياز لسياسات التطبيع.
قصف الماء والغذاء.. سياسة متعمدة
حادثة الطفلة آمنة ليست معزولة، بل تعكس سياسة إسرائيلية متعمدة تقوم على ضرب مقومات الحياة الأساسية في غزة. الطائرات المسيّرة والمدفعية تستهدف بشكل متكرر الطوابير على الأفران، محطات الوقود، وحتى الأطفال عند نقاط توزيع المياه. الهدف واضح: تجويع السكان وتركيعهم. هذه الاستراتيجية، وفق خبراء حقوق الإنسان، تندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية التي يحاسب عليها القانون الدولي.
لكن رغم وضوح الجريمة، لا تتحرك المؤسسات الدولية سوى ببيانات إدانة إنشائية، لم تُترجم إلى خطوات عملية لوقف الجرائم أو محاسبة مرتكبيها.
أطفال بلا طفولة.. جيل يُباد أمام العالم
تُظهر قصة الطفلة آمنة كيف تُسرق الطفولة من أطفال غزة، إذ لم يعد لهؤلاء الصغار أي حق في اللعب أو التعليم أو حتى البقاء. هم الآن بين خيارين: الموت جوعًا أو الموت قصفًا. صور أشلاء الأطفال التي تتكرر يوميًا لم تعد تهز الضمائر العالمية كما يجب، وكأن دماء الفلسطينيين فقدت قيمتها أمام المصالح السياسية والعسكرية.
الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بتدمير المنازل والمستشفيات والمدارس، بل حوّل غزة إلى مختبر دموي يختبر فيه أسلحته الحديثة على أجساد الأبرياء، في ظل دعم أمريكي وأوروبي مكشوف. هذه الجرائم الموثقة بالصوت والصورة ستبقى شاهدًا على وحشية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر.
خاتمة: دماء الأطفال تُدين الاحتلال والعالم الصامت
حادثة اغتيال الطفلة آمنة المفتي هي جرح جديد في جسد غزة النازف، لكنها أيضًا إدانة واضحة للاحتلال الإسرائيلي الذي يستهدف أبسط مظاهر الحياة، ويحوّل كل لحظة إنسانية إلى مأساة. هذه الجريمة، مثل آلاف غيرها، تكشف أن ما يجري ليس حربًا ضد مقاتلين، بل مشروع إبادة جماعية يستهدف شعبًا بأكمله.
ومع كل يوم يمر، يتضح أن صمت المجتمع الدولي، وعجز المؤسسات الأممية، وتواطؤ بعض الأنظمة، شريك أساسي في الجريمة. لكن دماء الأطفال لن تضيع، وستبقى شاهدة على بشاعة الاحتلال، وعلى عار الصامتين والمتواطئين.
اقرأ أيضا : أمريكا توقف تأشيرات الزيارة للفلسطينيين القادمين من غزة: خطوة عقابية جديدة