في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الغضب المتصاعد في الشارع الأوروبي تجاه سياسات الاحتلال الإسرائيلي، شهد أحد أشهر مطاعم مدينة نابولي الإيطالية حادثة طرد لزوجين إسرائيليين، رافقتها كلمات حاسمة من إدارة المطعم: “أنتم غير مرحّب بكم هنا… لا نريد أموال قتلة الأطفال”. 

هذه الواقعة، التي التقطتها عدسات الهاتف وانتشرت كالنار في الهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فجّرت جدلاً واسعاً في إيطاليا، وفتحت الباب أمام نقاش محتدم حول حدود حرية التعبير، ودلالات الدعم الشعبي الأوروبي المتنامي للقضية الفلسطينية، خاصة في ظل المجازر المرتكبة في قطاع غزة.

الوقائع: نقاش سياسي ينتهي بالطرد والمواجهة أمام الكاميرات

بدأت القصة عندما دخل الزوجان الإسرائيليان إلى مطعم “تافيرنا سانتا كيارا” الشهير وسط نابولي، وأثناء جلوسهما، انخرطا في نقاش مع بعض الزبائن حول ما سموه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

النقاش احتدم عندما أشارت صاحبة المطعم، نيفيس موندا، إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يرتكب جرائم إبادة جماعية في غزة، ودعت الزوجين إلى إبداء موقف واضح ضد سياسات الفصل العنصري، بحسب ما نقلته صحف إسرائيلية.

عندما رفض الزوجان، قالت موندا لهما بوضوح: “أنتم إسرائيليون، غير مرحّب بكم هنا”، وأمرت النادل بإخلاء الطاولة.

رد الزوجان باتهام صاحبة المطعم بمعاداة السامية، وهدّداها برفع دعوى قضائية، بينما واصلا تسجيل المشهد عبر الهاتف. في الفيديو المنتشر، يمكن سماع أحدهما يقول: “هذا تمييز واضح فقط لأننا يهود”، بينما ترد موندا بحسم: “أنا لا أهتم بأموال قتلة الأطفال”.

تدخل عدد من الزبائن لدعم صاحبة المطعم، فيما قال أحدهم بحدة: “أنتم تدافعون عن من يقتل الأطفال ويجوعهم ويهدم منازلهم.. لا مكان لكم هنا”. وقد حاول الزوجان تصوير الواقعة على أنها هجوم عنصري ومعادٍ لليهود، إلا أن رواية المطعم وموقفه السياسي أظهرا أن الدافع كان الاحتجاج على سياسات دولة الاحتلال لا الدين أو العرق.

ردود فعل متباينة: انقسام في إيطاليا بين التضامن والغضب

الواقعة أثارت زوبعة من ردود الفعل في الصحافة الإيطالية ومواقع التواصل. فبينما عبّر بعض النشطاء عن تعاطفهم مع الزوجين الإسرائيليين، معتبرين ما حدث تجاوزًا للحدود المقبولة لحرية التعبير، أطلق آخرون حملة تضامن واسعة مع المطعم، مشيدين بشجاعته في اتخاذ موقف مبدئي ضد ما وصفوه بـ”جرائم الإبادة الجماعية في غزة”.

وأصدر مطعم “تافيرنا سانتا كيارا” بيانًا أكد فيه التزامه بقيم مناهضة الفصل العنصري والاحتلال، نافياً أن يكون الحادث بدافع ديني أو عنصري. وجاء في البيان:

“نرفض أي اتهام بمعاداة السامية، موقفنا واضح: نحن ضد قتل المدنيين وتجويع الأطفال واحتلال الأرض، وسنظل نرفع صوتنا مع الضحايا، لا مع الجلادين”.

صحيفة معاريف الإسرائيلية وصفت الحادث بـ”الفضيحة”، وقالت إن الموقف يعكس “تساهلاً أوروبياً خطيراً مع معاداة السامية تحت غطاء مناهضة إسرائيل”، بينما نشرت يديعوت أحرونوت شهادات الزوجين وقالت إنهما “شعرا بالذل والمهانة فقط لأنهما من إسرائيل”.

في المقابل، احتفت منظمات التضامن مع فلسطين في أوروبا بما وصفته بـ”الخطوة الشجاعة” من إدارة المطعم، معتبرة أنها نموذج للمقاومة السلمية ومقاطعة داعمي الاحتلال. وشارك نشطاء صوراً من الحادث تحت وسم #BoycottIsrael و#FreePalestine، مع تعليقات تؤكد أن “العالم بدأ يلفظ قتلة الأطفال”.

خلفية أوسع: تصاعد حملات المقاطعة وتحوّل المزاج الأوروبي

تأتي هذه الحادثة في سياق أوروبي عام يشهد تصاعدًا لافتًا في الحملات الداعية إلى مقاطعة الاحتلال، على خلفية المجازر الدموية في قطاع غزة. فمع تجاوز عدد الشهداء في القطاع عتبة الـ35 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، تجد الحكومات الغربية نفسها في مأزق أخلاقي متزايد، إذ تواجه ضغوطًا من شعوبها لوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل.

الجامعات الأوروبية، والنقابات العمالية، ومؤسسات ثقافية عدة أعلنت في الأسابيع الأخيرة مقاطعتها للتعاون مع مؤسسات إسرائيلية، بل إن بعض مدن إسبانيا وبلجيكا أصدرت قرارات بحظر الأنشطة الداعمة للاحتلال داخل مؤسساتها العامة.

في هذا الإطار، يتحول موقف “تافيرنا سانتا كيارا” من مجرد حادثة فردية إلى تجلٍّ ملموس للغضب الشعبي الأوروبي المتصاعد. وربما يشكل هذا الموقف إشارة إلى أن ممارسات الاحتلال باتت تكلف إسرائيل خسائر فادحة، ليس فقط في ساحة المعركة، بل أيضًا على مستوى صورتها الدولية وعلاقاتها مع الشعوب الحرة.

هل بدأت العزلة الشعبية لإسرائيل تتعمق؟

رغم محاولات الإعلام الإسرائيلي تصوير الحادثة كمؤشر على “معاداة السامية”، فإن السياق السياسي والإنساني العام يظهر العكس تمامًا: فثمة وعي متزايد بأن التضامن مع فلسطين ليس كراهية لليهود، بل وقوف مع العدالة. ومثلما كان للأبارتهايد في جنوب إفريقيا نهاية عندما نبذه العالم، يبدو أن إسرائيل تواجه عزلة متصاعدة في القلوب والعقول، قبل أن تُفرض عليها بالعقوبات.

وفي نابولي، كما في باريس ولندن وأوسلو، بات صوت الضحايا يُسمع أخيرًا.. حتى من داخل المطاعم.

اقرأ أيضًا : هجوم متبادل بين إسرائيل وقطر يكشف عجز الاحتلال أمام عدالة المحكمة الدولية