شنّ مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هجوماً سياسياً عنيفاً على دولة قطر، عقب المرافعة التي قدمها وفدها أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، والتي أدانت فيها إسرائيل باستخدام “التجويع كسلاح” ضد المدنيين في قطاع غزة. 

هذا التصعيد الإسرائيلي لم يأتِ من فراغ، بل يعكس – بحسب مراقبين – حالة من الانزعاج المتزايد داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية من الحملة الدولية المتصاعدة لتجريم الاحتلال، وفضح ممارساته الممنهجة ضد المدنيين الفلسطينيين.

وقال بيان صادر عن مكتب نتنياهو: “إسرائيل تدعو قطر إلى التوقف عن اللعب على الجانبين بخطاباتها المزدوجة، واتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت إلى جانب الحضارة أم إلى جانب حماس”، مضيفاً أن “إسرائيل ستنتصر في هذه الحرب بوسائل عادلة”. 

هذا الخطاب الذي يسعى لتصوير آلة القتل الإسرائيلية كممثلة لـ”التحضّر” في مواجهة منظمات مقاومة، هو – كما يرى مراقبون – محاولة يائسة لتلميع جرائم حرب ترتكب يومياً أمام أعين العالم.

 

رد قطري حازم: من الذي يمثل التحضّر؟

وزارة الخارجية القطرية لم تتأخر في الرد، وجاء بيانها بلغة قوية تُظهر أن الدوحة لم تعد تقبل بتصوير دورها كوسيط نزيه على أنه اصطفاف مع طرف على حساب آخر، خصوصاً في ظل استمرار الجرائم الإسرائيلية.

المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، اعتبر أن الهجوم الإسرائيلي يفتقر إلى “أدنى درجات المسؤولية السياسية والأخلاقية”، مضيفاً: “تصوير استمرار العدوان على غزة كدفاع عن التحضّر يعيد إلى الأذهان خطابات أنظمة ديكتاتورية عبر التاريخ، استخدمت شعارات زائفة لتبرير جرائمها بحق الأبرياء”.

وبلهجة شديدة، وضع الأنصاري الاحتلال أمام مرآة الواقع: “منذ اندلاع الحرب، عملت قطر على دعم جهود الوساطة لإنهاء العدوان، فهل تم تحرير 138 رهينة بالعدالة العسكرية المزعومة، أم عبر وساطات تنقذ الأرواح؟”. 

وتابع: “في المقابل، غزة تواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة، من تجويع ممنهج وحصار خانق إلى ابتزاز إنساني فاضح. فهل هذه هي الحضارة التي يتحدث عنها نتنياهو؟”.

الرد القطري جاء كذلك ليؤكد تمسك الدوحة بثوابتها، حيث شددت على أن السياسة الخارجية القطرية “المبنية على المبادئ” لن تنجر وراء التضليل، ولن تتخلى عن دعم الشعوب المظلومة. 

وأعادت التأكيد على أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بـ”تسوية عادلة وشاملة تنهي الاحتلال”، مشددة على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

أمام محكمة العدل الدولية: قطر تفضح جرائم الاحتلال

وكان لافتاً أن الهجوم الإسرائيلي على قطر جاء بعد يومين فقط من مرافعة صريحة وجريئة قدمها الوفد القطري أمام محكمة العدل الدولية، في إطار الجلسات المخصصة لبحث الرأي الاستشاري حول مسؤوليات إسرائيل تجاه المنظمات الدولية في الأراضي الفلسطينية.

فقد أكد الوفد أن “إسرائيل تستخدم المساعدات الإنسانية سلاحاً لابتزاز الفلسطينيين”، ووصفت التجويع بأنه “سياسة ممنهجة وجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي”.

كما أشار الوفد إلى تدهور القطاع الصحي بشكل كارثي، مع انهيار شبه تام للمرافق التابعة للأونروا، معتبراً أن إسرائيل – بوصفها سلطة احتلال – مُلزمة قانونياً بضمان التغذية والعناية الصحية للأطفال، وفق اتفاقية حقوق الطفل. 

وتساءل ممثلو الدوحة: “كيف تتحدث إسرائيل عن تحضّر، وهي تدمر جيلاً كاملاً من الأطفال؟”.

وأضاف الوفد القطري أن الوساطة الثلاثية (قطر، مصر، الولايات المتحدة) هي من فتحت شريان الحياة لغزة في فترات الهدنة، ولكن الاحتلال سارع إلى إغلاقه مراراً. 

كما طالب بإلغاء القانون الإسرائيلي الذي صدر في 28 أكتوبر 2024 ضد وكالة الأونروا، في خطوة تهدف إلى خنق ما تبقى من البنية التحتية الإنسانية في القطاع.

ردود الفعل تعكس مأزقاً إسرائيلياً متزايداً

تحمل اللهجة الإسرائيلية الهجومية ضد قطر دلالات أعمق مما يبدو في ظاهرها. فنتنياهو – المحاصر بأزمة داخلية واستقالات في حكومته، وضغوط متزايدة من أهالي الأسرى – يحاول تصدير الأزمة للخارج، متّهماً أطراف الوساطة بـ”الازدواجية”، رغم أن نفس الأطراف شاركت بفعالية في إنجاح صفقات الإفراج السابقة عن الرهائن.

أما الموقف القطري، فيعكس اتجاهاً جديداً في الدبلوماسية العربية، وهو أن الصمت لم يعد خياراً أمام جرائم الاحتلال. 

كما أن محكمة العدل الدولية باتت اليوم ساحة مواجهة قانونية مفتوحة، لم يعد بإمكان إسرائيل التهرب منها، خاصة بعد توالي شهادات الدول حول مسؤولياتها كقوة احتلال.

عجز الاحتلال أمام المحاكم والضمير العالمي

تكشف هذه الأزمة اللفظية بين تل أبيب والدوحة عن مأزق أخلاقي وسياسي يعيشه الاحتلال الإسرائيلي. فبينما يُدافع نتنياهو عن “حضارة” تقوم على تدمير المدن وتجويع الأطفال، تصعد دول مثل قطر لمواجهته في ساحات القانون الدولي، وتجبره على التبرير والتراجع عن ادعاءاته. 

إن العجز عن مواجهة الأدلة، والاضطرار للهجوم على الوسطاء، هو في حقيقته اعتراف بأن سلاح الكذب لم يعد كافياً لإخفاء الحقيقة.

هل تتجه المنطقة لمواجهة دبلوماسية أوسع؟ وهل ستؤدي هذه المواجهات إلى تحوّل أعمق في الخطاب الرسمي العربي تجاه جرائم الاحتلال؟ الأيام القادمة كفيلة بالكشف عن المواقف الحقيقية، لا الأقنعة الدبلوماسية.

اقرأ أيضًا : قصف العزاء والتكية.. الاحتلال يرتكب مجازر متتالية بحق عائلات كاملة في غزة