يشهد قطاع الطاقة العالمي تطورات متسارعة في ظل اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، بعدما تحولت المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى إلى عامل تهديد مباشر لأحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز. وفي هذا السياق، بدأت شركة أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، دراسة تحويل مسار جزء من صادراتها النفطية بعيدًا عن المضيق الذي بات شبه مغلق أمام حركة الشحن بسبب المخاطر الأمنية المتصاعدة.
وتكشف هذه التحركات عن حجم القلق الذي يسيطر على أسواق الطاقة العالمية، خاصة أن المنطقة الخليجية تمثل المصدر الأكبر لإمدادات النفط العالمية، وأن أي اضطراب طويل الأمد في طرق الشحن قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة.

مضيق هرمز يتحول إلى نقطة اختناق للطاقة العالمية
لطالما كان مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا. لكن مع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، وتحول الخليج إلى ساحة مفتوحة للهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، أصبح المضيق عرضة للإغلاق الفعلي أو شبه الكامل، وهو ما دفع شركات الطاقة الكبرى إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط.
وتشير مصادر في قطاع الطاقة إلى أن خطر الهجمات على السفن والمنشآت النفطية دفع العديد من شركات الشحن إلى تعليق عملياتها في المنطقة، الأمر الذي تسبب في تعطيل حركة ناقلات النفط بشكل شبه كامل خلال الأيام الماضية.
وفي ظل هذا الوضع، بدأت أرامكو دراسة خيارات متعددة لتجاوز هذه الأزمة، من بينها تحويل مسار جزء من صادرات النفط إلى البحر الأحمر عبر خط الأنابيب المعروف باسم “الشرق–الغرب”، والذي يربط الحقول النفطية في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر.
خط الأنابيب السعودي.. حل جزئي للأزمة
يمثل خط الأنابيب الممتد من شرق السعودية إلى ميناء ينبع أحد أهم البدائل المتاحة أمام أرامكو لتصدير النفط دون المرور عبر الخليج العربي. وتبلغ القدرة الاستيعابية لهذا الخط نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، وهو رقم كبير لكنه يظل أقل من إجمالي الإنتاج السعودي الذي يتجاوز عشرة ملايين برميل يوميًا.
وقد استُخدم هذا الخط في أوقات سابقة لزيادة قدرة النقل مؤقتًا، إذ تمكنت السعودية عام 2019 من رفع طاقته إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا بعد تحويل بعض خطوط الغاز لاستخدامها في نقل النفط الخام.
لكن خبراء الطاقة يشيرون إلى أن هذا الحل يظل محدودًا، لأن الطاقة الاستيعابية للخط لا تكفي لنقل كامل الإنتاج السعودي، كما أن البنية التحتية في ميناء ينبع قد تواجه ضغوطًا كبيرة في حال تحويل معظم الصادرات إليه.
كما يحذر محللون من أن هذا الخط نفسه قد يتحول إلى هدف للهجمات في حال توسعت رقعة الحرب، خاصة إذا دخلت أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة.
هجمات على البنية النفطية تزيد المخاوف
تأتي هذه التحركات بعد سلسلة هجمات استهدفت منشآت نفطية في المنطقة، بما في ذلك هجوم بطائرة مسيرة أدى إلى إغلاق مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر المصافي النفطية في السعودية.
وأدى هذا التصعيد العسكري إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز عالميًا، مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، الذي يظل المصدر الرئيسي للطاقة في العالم.
كما ساهمت الهجمات على السفن والمنشآت النفطية في تعطيل الإنتاج في عدد من الدول، من بينها قطر والعراق، ما زاد من حالة القلق في الأسواق العالمية التي بدأت تستعد لاحتمال حدوث أزمة طاقة واسعة النطاق.
مصر تدخل على خط الأزمة النفطية
في خضم هذه التطورات، برزت مصر كأحد الخيارات البديلة لنقل النفط السعودي إلى الأسواق العالمية، إذ عرضت القاهرة المساعدة في نقل الخام عبر أراضيها إلى البحر المتوسط.
وأوضح وزير البترول المصري أن الاتفاقات القائمة مع شركة أرامكو تسمح بالفعل بنقل النفط السعودي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومن هناك يمكن شحنه إلى مصر عبر البحر الأحمر، قبل أن يتم نقله عبر شبكة الأنابيب المصرية إلى البحر المتوسط.
ويعد خط أنابيب سوميد أحد أهم البنى التحتية التي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ يربط بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر وميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، ما يسمح بنقل النفط إلى الأسواق الأوروبية دون الحاجة إلى المرور بمضيق هرمز.
ويمثل هذا المسار بديلًا مهمًا في حال استمرار إغلاق المضيق، خاصة أنه يتيح نقل ملايين البراميل يوميًا إلى الأسواق العالمية.
توسع رقعة الحرب يهدد استقرار أسواق الطاقة
تعكس هذه التحركات حجم القلق المتزايد من تحول الحرب في الشرق الأوسط إلى صراع إقليمي واسع قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فمع استمرار العمليات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، وتزايد الهجمات على المنشآت النفطية والممرات البحرية، باتت المنطقة مهددة بتحولها إلى ساحة اضطراب دائم في إمدادات الطاقة العالمية.
ويرى خبراء أن أي تعطيل طويل الأمد لصادرات النفط الخليجية قد يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، وهو ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، بدءًا من تكاليف النقل والصناعة وصولًا إلى أسعار الغذاء.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو محاولات البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط مجرد حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة، وهي اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وتحولها إلى تهديد مباشر لأحد أهم مصادر الطاقة في العالم.
اقرأ أيضًا : قصف المستشفيات في طهران يشعل الغضب.. بزشكيان يتعهد بالرد وإيران تتهم الاحتلال وأمريكا بارتكاب جرائم حرب