أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الجدل في المغرب، بعد أن وثّق لحظة إحراق نشطاء مغاربة للعلم الإسرائيلي قرب الحدود المغربية-الجزائرية، في ردّ مباشر على قيام سائحة إسرائيلية برفع العلم نفسه في المنطقة. الحادثة وقعت في منطقة “بين الجراف” الحدودية التابعة لمدينة وجدة شمال-شرق المغرب، وهي نقطة حسّاسة تُشرف مباشرة على الحدود مع الجزائر، وتُعرف تقليديًا بمشاهد رمزية للتلويح بالأعلام بين سكان البلدين في إطار اجتماعي وإنساني غير رسمي.

غير أنّ رفع العلم الإسرائيلي في هذا السياق اعتُبر، وفق ناشطين، فعلًا استفزازيًا يمسّ الرمزية الوطنية ويكسر الأعراف غير المكتوبة للمنطقة، ما فجّر ردّ فعل شعبي سريعًا.

وقفة احتجاجية ورسائل سياسية

عقب الواقعة، نُظّمت وقفة احتجاجية يوم الأحد بدعوة من هيئات مدنية، في مقدمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين و**الجبهة المغربية لدعم فلسطين**. رفع المشاركون أعلام فلسطين والمغرب، ولافتات تندد بما وصفوه بـ“الاختراق الصهيوني” للفضاء العام المغربي، مرددين شعارات من قبيل: “من بين الجراف تحية لغزة الأبية”.

وحملت اللافتات عبارات صريحة ترفض التطبيع وتربط بين الواقعة وبين مسار سياسي أوسع، من بينها: “الشعب المغربي ضد انتهاك السيادة الوطنية من طرف عصابات الصهاينة”، و*“ندين جريمة رفع خرقة الكيان الصهيوني على الحدود المغربية”*.

فلسطين حاضرة… والتطبيع في القفص

في كلمة خلال الوقفة، اعتبر أحمد أويحمان، عضو مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، أن رفع العلم الإسرائيلي على الحدود المغربية-الجزائرية “استفز وجدان المغاربة” وأعاد إلى الواجهة مخاوف من تمدّد التطبيع إلى المجال الرمزي والوطني. ودعا إلى “اليقظة الشعبية” والتصدي لكل مظاهر الاختراق، معتبرًا أن القضية الفلسطينية لا تزال معيارًا أخلاقيًا لاختبار السياسات العامة.

هذا الربط لم يكن معزولًا عن السياق الإقليمي؛ فالغضب الشعبي المغربي يتغذّى على مشاهد الحرب على غزة، التي انتهت باتفاق وقف إطلاق نار بعد حرب إبادة استمرت قرابة عامين، خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمارًا واسعًا للبنى التحتية المدنية.

بين الشارع والقرار… فجوة تتسع

تُعيد هذه الحادثة تسليط الضوء على الفجوة المتزايدة بين المزاج الشعبي المغربي الرافض للتطبيع وبين القرار الرسمي الذي قاده الملك محمد السادس بتوقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل عام 2020. فبالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع، لم يُترجم التطبيع إلى قبول اجتماعي، بل ظلّ قرارًا فوقيًا تصادمه قناعات تاريخية داعمة لفلسطين.

ويرى مراقبون أن حساسية الموقع الحدودي زادت من حدّة الغضب، إذ جرى تفسير رفع العلم الإسرائيلي هناك كرسالة سياسية موجهة، لا كسلوك فردي لسائحة. فالحدود مع الجزائر، في ظل القطيعة السياسية بين البلدين، تُعد مساحة مشحونة بالرموز السيادية، ما جعل الواقعة تتجاوز بعدها الفردي إلى دلالات أعمق.

سيادة ورمزية وهوية

أحد أبرز أبعاد الاحتجاج تمثّل في ربط النشطاء بين التطبيع و”انتهاك السيادة الرمزية”. فالعلم، في الوعي الجمعي، ليس قطعة قماش فحسب، بل تعبير عن مشروع سياسي وتاريخ من الصراع. ومن هذا المنطلق، اعتبر المحتجون أن السماح برفع العلم الإسرائيلي في فضاء عام حدودي يمثّل تطبيعًا بصريًا قسريًا، يسعى إلى ترويض الذاكرة الجماعية.

كما حذّر ناشطون من أن الصمت الرسمي تجاه مثل هذه الوقائع قد يُفسَّر كضوء أخضر لتوسيع حضور الرموز الإسرائيلية في الفضاء العام، بما يفاقم الاحتقان الشعبي.

رسائل إلى الداخل والخارج

في المحصلة، لا يمكن قراءة إحراق العلم الإسرائيلي قرب الحدود الجزائرية كحدث عابر أو انفعالي. هو فعل احتجاجي محمّل برسائل واضحة: رفض شعبي للتطبيع، تمسّك بالقضية الفلسطينية، وتنبيه إلى خطورة نقل الخلاف السياسي من مستواه الدبلوماسي إلى المجال الرمزي اليومي.

الشارع المغربي، كما تُظهر هذه الواقعة، لا يزال يعتبر فلسطين جزءًا من هويته السياسية والأخلاقية، ويرى في التطبيع الرسمي مسارًا مفروضًا لا يحظى بالإجماع. وبينما تمضي الدولة في رهاناتها الإقليمية، يواصل المجتمع إرسال إشارات مقاومة، مفادها أن العلم الذي يُرفع في الفضاء العام ليس تفصيلًا، بل عنوانًا لمعركة الذاكرة والكرامة والسيادة.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال.. طفلان جمعا الحطب فاغتالتهما المسيّرة في غزة