كشف موقع ميدل إيست آي البريطاني عن مصدر رفيع في الرئاسة المصرية، أن النظام المصري يدعم بقوة تعيين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في أي دور سياسي جديد بالمنطقة، لأن بلير يمثل “شريكًا فكريًا وسياسيًا” لعبد الفتاح السيسي في كراهيته للإسلام السياسي، ولأن بينهما تاريخًا من التعاون والتفاهم منذ عام 2014 حين أُرسل بلير إلى القاهرة بدعم وتمويل من الإمارات ليعمل مستشارًا سياسيًا واقتصاديًا للسيسي.
وبحسب المصدر، فإن القاهرة لم تتعامل مع بلير كمجرد وسيط أو مستشار غربي، بل كأحد رموز المشروع الذي يتقاطع مع رؤيتها في محاربة الحركات الإسلامية، وفرض نظام سياسي “علماني أمني” على مقاس الدولة العسكرية الجديدة في مصر.
بلير.. من مجرم حرب إلى مستشار دكتاتور
توني بلير، الذي ارتبط اسمه بغزو العراق عام 2003 وبتدمير واحدة من أهم الدول العربية، لم يختفِ من المشهد كما ظن البعض بعد سقوطه سياسيًا في بلاده، بل وجد له موطئ قدم جديد في الشرق الأوسط، وتحديدًا في القاهرة.
ففي عام 2014، وبعد عام واحد فقط من انقلاب السيسي على أول رئيس مدني منتخب في مصر، كشفت تقارير بريطانية وإماراتية متطابقة أن أبو ظبي تولت تمويل عودة بلير إلى الشرق الأوسط كمستشار للسيسي، ليقدّم له “النصح” في كيفية التعامل مع الغرب وتجميل وجه نظامه بعد المجازر التي تلت فض اعتصام رابعة العدوية.
بلير لم يكن يبحث عن خدمة مجانية، بل عن فرصة لإعادة تلميعه في الساحة الدولية التي لفظته، وعن مورد مالي ثابت تموّله الإمارات، الدولة التي جعلت من “شراء النفوذ” سياسة خارجية قائمة بذاتها.
صفقة إماراتية بغطاء بريطاني
وبحسب المصدر الذي تحدث إلى ميدل إيست آي، فإن العلاقة بين القاهرة وبلير لم تكن لتنشأ دون الدور الإماراتي، الذي تكفّل بجميع التفاصيل، بدءًا من تكوين فريق استشاري تابع لبلير في القاهرة، إلى تمويله من ميزانيات سرية إماراتية تحت لافتة “برامج التنمية والاستثمار في مصر”.
أبو ظبي – التي كانت تبحث آنذاك عن تثبيت حليفها العسكري الجديد في الحكم – وجدت في بلير الوجه الغربي المناسب لتجميل صورة السيسي في لندن وواشنطن، خاصة بعد أن توترت علاقات النظام المصري بعد مجازر 2013 مع المؤسسات الحقوقية والإعلام الدولي.
ولم يكن اختيار بلير عبثًا، فالرجل خبير في “بيع الأوهام السياسية” للغرب تحت شعارات براقة مثل “مكافحة الإرهاب” و“الإصلاح الاقتصادي”، وهي العناوين ذاتها التي تبناها السيسي منذ توليه السلطة.
كراهية الإسلام السياسي.. الرابط الأيديولوجي بين بلير والسيسي
يؤكد المصدر أن ما جمع الرجلين لم يكن المال أو المصالح فقط، بل فكرة أعمق: الكراهية العميقة للإسلام السياسي والرغبة في اقتلاعه من جذوره في المنطقة.
بلير، الذي بنى خطابه السياسي بعد 11 سبتمبر على ضرورة “تجديد الإسلام المعتدل” ومواجهة “الإسلام الراديكالي”، وجد في السيسي نموذجًا لما كان يدعو إليه في خطبه وكتاباته: “إسلام منزوع السياسة ومطوّع للسلطة”.
أما السيسي، فوجد في بلير “الوسيط الأبيض” القادر على فتح الأبواب المغلقة في الغرب وتبرير القمع الذي يمارسه داخليًا.
ومنذ عام 2014 وحتى اليوم، حافظ بلير على تواصل وثيق مع السيسي عبر قنوات غير رسمية، وشارك في مؤتمرات اقتصادية وتنسيقات إقليمية رتبتها الإمارات، دون أن يعلن عن طبيعة دوره الحقيقي.
الإمارات والسيسي.. استخدام بلير لتلميع الاستبداد
تُظهر الوثائق التي كشف عنها ميدل إيست آي أن الإمارات لعبت الدور المركزي في تشكيل محور جديد في الشرق الأوسط قوامه المال الإماراتي، والقمع المصري، والغطاء الغربي الذي مثّله بلير.
فبينما كانت أبو ظبي تقدم نفسها كقوة “حداثية” تحارب التطرف، كانت في الوقت نفسه تموّل قوى الثورة المضادة في مصر واليمن وليبيا والسودان.
وفي هذا الإطار، كان بلير مجرد أداة لتجميل الوجه القبيح لهذا المشروع أمام الغرب، عبر مخاطبة العواصم الغربية بلغة الديمقراطية والاستثمار، بينما يتولى السيسي على الأرض مهمة سحق أي حراك سياسي أو اجتماعي تحت شعار “الاستقرار”.
ووفقًا للمصدر الرئاسي، لا يزال هذا التعاون مستمرًا حتى اليوم، وإنْ بشكل غير معلن، ويعاد تفعيله الآن في ضوء التحركات الأمريكية لإعادة رسم شكل السلطة في غزة بعد الحرب.
إعادة تدوير بلير: من القاهرة إلى غزة
يقول المصدر إن القاهرة تدعم بقوة فكرة أن يتولى بلير دورًا “دوليًا” في إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، مستفيدة من علاقته القديمة بالسيسي ومن الدعم المالي الإماراتي الذي لم ينقطع.
ويرى أن هذا الدعم لا علاقة له بمصلحة الفلسطينيين، بل هو امتداد طبيعي للشراكة القديمة بين الأطراف الثلاثة: أبو ظبي التي تموّل، القاهرة التي تنفّذ، وبلير الذي يبرّر.
وما يثير الغضب، بحسب مراقبين، أن الشخص الذي ساهم في غزو العراق وتدمير دولة عربية، يُعاد تقديمه اليوم على أنه “رجل سلام” قادر على إدارة شؤون غزة أو الإشراف على إعادة إعمارها، في مفارقة تكشف عن ازدراء كامل لدماء العرب وذاكرتهم التاريخية.
خاتمة: الاستبداد يلبس ثوب “الاستقرار”
ما بين عام 2014 واليوم، لم يتغيّر شيء في جوهر المشهد.
بلير لا يزال يبحث عن منصة جديدة ليغسل بها تاريخه الملطخ بالدماء، والسيسي لا يزال يعتمد على الخارج لتلميع صورته داخليًا، والإمارات تواصل توظيف المال لشراء الولاءات وفرض أجندتها على المنطقة.
وما يجري الآن ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل “الاستعمار المقنّع”، حيث تُستخدم الشعارات الإنسانية والاقتصادية لتكريس حكم العسكر وتهميش الشعوب.
فمن العراق إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى غزة، يمدّ توني بلير خيوط مشروعه القديم، مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي لا يختلف جوهره عن الاستعمار القديم إلا في الوجوه والعبارات.
اقرأ أيضًا : رغم تجاهل الاحتلال للوساطة المصرية.. رئيس المخابرات يلتقي نتنياهو في إسرائيل