مرة أخرى، تتقدم الولايات المتحدة بمقترح لوقف إطلاق النار في غزة، عبر مبعوثها ستيف ويتكوف، في محاولة جديدة لفرض صيغة “تسوية مؤقتة” تصب في مصلحة الاحتلال، وتعيد إنتاج هيمنة عسكرية إسرائيلية مغلفة بوعود إنسانية كاذبة.
المقترح الذي عرض على المقاومة الفلسطينية نهاية مايو الماضي لم يأت بجديد سوى محاولة تسويق إدارة دونالد ترامب كمُخلّصٍ قادم يفرض “سلامًا” تضمنه واشنطن ولكن على مقاس تل أبيب، وتحت وصايتها العسكرية والسياسية.
في المقابل، ردت حركة حماس على هذا المقترح بسرد منظم أعاد التوازن للمعادلة، ورفض بشكل ضمني الهيمنة الأمريكية، عبر طرح شروط واضحة لا تقبل المراوغة.

الصفقة في ظاهرها هدنة.. وفي باطنها تسليم؟
يبدأ المقترح الأمريكي من فرضية أساسية: تهدئة مؤقتة لمدة 60 يوما، مقابل إطلاق سراح 10 أسرى إسرائيليين أحياء و18 جثة، وفق جدول زمني لا يخلو من صبغة “الإملاء”، حيث تتحكم إسرائيل في التسلسل الزمني للانسحابات المحدودة، بينما يُطلب من المقاومة تقديم كل ما لديها بالتقسيط المريح.
المقترح يقترح الانسحاب على مراحل، أولا من شمال غزة ثم من الجنوب، وفق خرائط “يُتفق عليها”، في إشارة غامضة تفتح المجال لتفسيرات إسرائيلية فضفاضة تسمح ببقاء جيوب عسكرية في غزة تحت ذريعة المساعدات أو الأمن.
الرد الفلسطيني، الذي قادته حماس، جاء حاسماً حين رفض تأجيل انسحاب الاحتلال، واشترط أن يكون الانسحاب في اليوم الأول إلى ما قبل الوضع القائم في 2 مارس 2025، ما يعكس فهماً دقيقاً لأساليب المناورة التي يستخدمها الاحتلال والمبعوثون الأمريكيون معه.
فبينما تحاول واشنطن فرض انسحاب تدريجي بشروط غامضة، ترد المقاومة بخارطة طريق واضحة تنطلق من التاريخ والميدان لا من غرف التفاوض.
قضايا المساعدات وإعادة الإعمار.. النوايا تُفضَح في التفاصيل
حاول المقترح الأمريكي أن يظهر وكأنه يحمل بعداً إنسانياً، عبر السماح بإدخال مساعدات “فورية” إلى غزة وتوزيعها عبر الأمم المتحدة والهلال الأحمر.
ولكن الرد الفلسطيني فضح سطحية الطرح الأمريكي حين طالب بإدخال المساعدات وفق بروتوكول إنساني تم الاتفاق عليه سابقاً في يناير 2025، مع إدراج مطالب حيوية تتعلق بإعادة إعمار البنية التحتية والمستشفيات والمدارس، وإعادة فتح معبر رفح بدون قيود، وتسهيل التجارة والسفر، في وقت تجاهل فيه المقترح الأمريكي هذه الجوانب الحيوية، مكتفياً بإشارات فضفاضة.
إن هذه الفجوة تكشف كيف تسعى الولايات المتحدة لاحتواء الانفجار الإنساني في غزة إعلامياً، دون أن تقدّم حلولاً عملية تضمن كرامة الفلسطينيين أو تعالج جذور الكارثة.
بينما تتقدم المقاومة بمقترحات تنموية وإنسانية فعلية، تتجاهل واشنطن عمداً هذا المسار، لأنها تخشى أن يمنح الفلسطينيين شعوراً بالسيادة أو النصر، وهو ما لا تسمح به فلسفة الهيمنة الأمريكية على المنطقة.
الأسرى.. معادلة الكرامة مقابل المقايضة
لعل أخطر ما في مقترح ويتكوف هو الصيغة الإسرائيلية التي صاغت أرقام تبادل الأسرى: 10 أحياء مقابل 125 محكومًا مؤبداً و1111 أسيرًا، و18 جثة مقابل 180 شهيدًا. يُظهر هذا التوازن الرقمي تفوقًا إعلاميًا وإستراتيجيًا للمقاومة، لكن الرد الفلسطيني كان أكثر عمقاً: الرفض الصريح لأي إملاء عددي، والإصرار على أن يتم التبادل وفق تفاهمات تُبنى في مفاوضات غير مباشرة.
كما طالب الرد الفلسطيني بمعلومات شاملة عن أسرى غزة في السجون الإسرائيلية، وهو ما تجاهله المقترح الأمريكي تمامًا.
أما بشأن الضمانات، فقد كرّس الرد الفلسطيني موقفًا رافضًا لوصاية أمريكية خالصة، إذ اشترط وجود ضمانات ثلاثية تشمل مصر وقطر والولايات المتحدة معاً، وعدم الاكتفاء بالأخيرة، لأن الأخيرة ببساطة هي راعية الاحتلال لا راعية سلام.
لقد كرّست أمريكا دورها كناطق غير رسمي باسم الاحتلال الإسرائيلي، وتدّعي الحياد في الوقت الذي تخوض فيه معركة الاحتلال سياسياً واقتصادياً وحتى استخباراتياً.
لمن يعمل ويتكوف؟ وأين العرب؟
اللافت في النصوص أن ويتكوف لم يتقمص حتى دور الوسيط المحايد، بل تحدّث بلغة المطالب الإسرائيلية بغطاء أمريكي، ليبدو وكأنه موظف علاقات عامة في وزارة الدفاع الإسرائيلية، لا مبعوث سلام. لقد صيغ المقترح بلغة تل أبيب، وتُركت المقاومة تواجهه وحدها، في وقت غابت فيه معظم الأنظمة العربية أو تواطأت بصمتها، ما يجعل من موقف حماس نقطة نادرة في زمن الخيانة الجماعية.
في ظل هذا الصمت، جاءت تفاصيل رد حماس كأول وثيقة سياسية فلسطينية واضحة المعالم منذ بداية الحرب، تفرض شروطًا واقعية، وتؤسس لمرحلة جديدة لا تقوم على الاستجداء، بل على فرض التوازنات بالقوة والتفاوض.
خاتمة: حماس تفاوض من فوق.. وأمريكا تفضح نفسها
ما كشفت عنه الوثائق الأخيرة ليس مجرد تفاوض على تبادل أسرى أو وقف مؤقت لإطلاق النار، بل لحظة سياسية فاصلة تعيد تعريف العلاقة بين الاحتلال والمقاومة، وبين أمريكا والمنطقة. الرد الفلسطيني وضع سقفًا جديدًا للتفاوض، وأرسل رسالة مفادها: لن تُفرض علينا شروط المنتصر بينما نحن من صمدنا وفرضنا المعادلة.
أمريكا لم تعد تصلح كوسيط، لا لأنها غير عادلة فقط، بل لأنها خصم مباشر. أما المقاومة الفلسطينية، فهي اليوم تفاوض من موقع الندية، وتعيد رسم المعادلة الإقليمية، ليس فقط بصواريخها، بل أيضاً بأوراقها التفاوضية وشروطها الوطنية.
وفي زمن تتحول فيه الأنظمة العربية إلى وكلاء للتطبيع والصمت، تظل حماس وحدها، ولكنها تقف على أرض صلبة.
اقرأ أيضًا : بريطانيا تغضّ الطرف عن انتهاكات الإمارات وتوقّع اتفاقًا بلا قيم مع دول الخليج