في تطور لافت للمشهد الليبي المتعثر، طرح المجلس الأعلى للدولة مبادرة جديدة تهدف إلى تشكيل مجلس رئاسي انتقالي من ثلاثة قضاة برئاسة رئيس المحكمة العليا أو أحد كبار المستشارين، يتولى تشكيل حكومة مصغرة للإشراف على الاستفتاء الشعبي بشأن مشروع الدستور، وتسيير المرحلة الانتقالية برعاية السلطة القضائية.
المبادرة، التي وُصفت بأنها تهدف لإنهاء الانقسامات وتجاوز حالة الجمود، تواجه تحديات سياسية وقانونية كبيرة، في ظل انقسامات محلية وعدم وضوح الموقف الأممي.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن هذا الطرح قد يكون مجرد ورقة ضغط سياسية تفتقر إلى أدوات التنفيذ الواقعية، في وقت تستمر فيه أطراف خارجية، وعلى رأسها الإمارات، بلعب دور تخريبي في المشهد الليبي، عبر تغذية النزاعات ودعم الميليشيات على الأرض.

المبادرة: محاولة إصلاح أم صراع على النفوذ؟
المبادرة التي قدمها رئيس لجنة الأمن القومي بالمجلس الأعلى للدولة، سعيد ونيس، وُصفت بأنها تهدف إلى “تصحيح المسار” وتحقيق “الإجماع الوطني” حول الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي.
واقترح أن تتولى السلطة القضائية الإشراف على المرحلة الانتقالية بدلاً من الأطراف السياسية المنقسمة، مشدداً على ضرورة الابتعاد عن الحلول التي تنتج “بدائل انتقالية لا تحظى بإجماع شعبي”.
بعض الشخصيات الليبية اعتبرت المقترح خطوة متقدمة ومنطقية، من بينها عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور نادية عمران، التي وصفت الطرح بأنه “واقعي وقابل للتطبيق” ويعكس إرادة شعبية في التخلص من “الأجسام الانتقالية التي استمرأت البقاء في المشهد”.
من جانب آخر، هناك من رأى أن توقيت المبادرة يضع علامات استفهام حول نوايا “الأعلى للدولة”. فالمبادرة لم تأتِ إلا بعد إعلان البعثة الأممية عن مقترح نهائي للجنة الاستشارية (لجنة العشرين) التي تهدف إلى إطلاق خارطة طريق للاستفتاء وتوحيد الحكومة.
الأكاديمية الليبية فيروز النعاس قالت إن المبادرة “مجرد تشويش سياسي لإظهار أن المجلس يسعى للحل، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك”.
رفض قضائي وتحفّظ سياسي: عوائق التنفيذ
التحدي الأكبر الذي تواجهه المبادرة يتمثل في احتمالية رفض القضاء الانخراط في معترك السياسة. المتحدث السابق باسم المجلس الأعلى للدولة، السنوسي الشريف، أكد أن تجربة سابقة لرئيس المحكمة العليا الأسبق، محمد الحافي، عندما رشح نفسه لرئاسة المجلس الرئاسي بعد اتفاق جنيف، قوبلت برفض واسع، ما يعني أن الزج بالقضاء في العمل التنفيذي والسياسي قد يواجه بمعارضة من الجسم القضائي ذاته، ناهيك عن القوى السياسية.
الشريف أشار إلى أن الأطراف السياسية الليبية، خصوصًا تلك التي تشغل مناصب عليا، لن ترحب بإشراف قضاة على المرحلة الانتقالية، لأن ذلك يعني سحب صلاحياتها وامتيازاتها، وربما يمثل تهديدًا لاستمراريتها في المشهد.
حتى على المستوى الشعبي، فإن قبول المقترح يظل محل جدل، حيث أظهرت النقاشات الليبية أن ما يحظى بشعبية نسبية هو “المقترح الرابع” من مقترحات اللجنة الاستشارية الأممية، والذي ينص على إنهاء جميع الأجسام السياسية الحالية بما فيها الحكومتان المتنازعتان، تمهيدًا لمرحلة انتقالية جديدة بإشراف أممي ودولي واسع.
الإمارات في الخلفية: الدور الخفي في تأزيم المشهد
ورغم أن الخلافات تبدو ليبية الطابع، إلا أن وراء الكواليس تبرز دول إقليمية تسعى لتوجيه المسار السياسي بما يخدم أجنداتها. تأتي الإمارات في مقدمة هذه الأطراف، إذ تواصل تغذية النزاعات من خلال دعم ميليشيات مسلحة في الشرق والجنوب، وتمويل شخصيات وأجسام سياسية تسعى لتقويض أية محاولة للاستقرار.
وفي الوقت الذي يطرح فيه “الأعلى للدولة” مبادرته، تتواصل الاتصالات الإماراتية مع قادة عسكريين ومليشيات متمركزة في مناطق استراتيجية، بهدف إفشال أية خارطة طريق قد تؤدي إلى انتخابات شاملة تُنهي الفوضى وتمنح القرار للشعب الليبي. وتستخدم الإمارات هذه الميليشيات كورقة ضغط سياسية وعسكرية، في محاولة لترسيخ نفوذها في غرب وشرق البلاد، مستغلة حالة الانقسام الراهنة.
بل إن بعض التحليلات ترى أن الإمارات تتعمد دعم أجسام سياسية موازية لإرباك أية جهود توحيدية تحت مظلة أممية، ما يجعل من أي مقترح غير مدعوم دولياً ومسنود شعبياً عرضة للفشل، وهو ما ينطبق إلى حد كبير على مبادرة “الأعلى للدولة”.
خاتمة: مبادرة في مهب الريح؟
في ظل غياب التوافق السياسي، وانقسام مجلس الدولة نفسه، ورفض متوقع من القضاء للعب دور سياسي، ومناخ دولي غير واضح، تبدو مبادرة تشكيل مجلس قضائي انتقالي وحكومة مصغرة كخطوة غير واقعية، تفتقر إلى أدوات التنفيذ والدعم المحلي والدولي.
وتبقى المبادرة، رغم ما قد تحمله من نوايا إصلاحية، رهينة لموازين القوى الداخلية والإقليمية، خصوصًا في ظل تدخلات إماراتية تهدف لتفخيخ أي حل جذري، مما يجعل الحديث عن مرحلة انتقالية مستقرة لا يزال حلمًا مؤجلًا في ليبيا ما بعد الثورة.
اقرأ أيضًا : السودان يحترق بتمويل إماراتي: مذبحة جديدة للدعم السريع في ولاية الجزيرة تخلف 50 قتيلاً ومئات الجرحى