في خضم الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، والأفق السياسي المسدود منذ عودة العدوان الإسرائيلي في منتصف مارس الماضي، توجه وفد من حركة حماس إلى القاهرة الثلاثاء، لبحث “أفكار جديدة” حول تهدئة طويلة الأمد، وسط وساطة مصرية وقطرية تبدو هذه المرة أكثر تنظيماً من سابقاتها، ولكنها لا تزال محاطة بشكوك جوهرية بسبب طبيعة المقترحات وموقف نظام عبد الفتاح السيسي الذي لا يزال – بحسب مراقبين – يعبّر عن مصالح الاحتلال أكثر من سعيه لدور قومي حقيقي.

أفكار جديدة.. وهدنة طويلة محفوفة بالألغام السياسية
بحسب ما نقلته وكالة “فرانس برس” عن أحد قياديي حركة حماس، فإن الوفد يضم خليل الحية رئيس الفريق التفاوضي وعدد من القيادات، وقد غادر من الدوحة إلى القاهرة لبحث صيغة تهدئة جديدة، تقول مصادر إعلامية إنها تشمل “هدنة تمتد بين خمس إلى سبع سنوات، وإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين، وانسحاب إسرائيلي كامل من غزة، وإنهاء الحرب رسمياً”.
هذه الصيغة الجديدة التي جرى تسريب تفاصيلها عبر “بي بي سي” نقلاً عن مسؤول فلسطيني مطّلع على سير المفاوضات، تعكس تحولاً جوهرياً في بعض جوانب الصراع، خاصة إذا ثبتت جدية الوساطة.
لكن التساؤلات تدور حول الضمانات، وآلية تطبيق هذا الاتفاق في ظل غياب طرف دولي محايد قادر على فرض التزام الاحتلال الإسرائيلي بتعهداته، بعد أن خرق سابقًا كل اتفاقات الهدنة.
وبينما تؤكد المصادر أن حماس أبدت “مرونة غير مسبوقة”، ووصلت حد الموافقة على تسليم إدارة غزة لجهة فلسطينية يتم التوافق عليها وطنياً – قد تكون السلطة الفلسطينية أو هيئة وطنية جديدة – فإن هذه الخطوة في حد ذاتها لا تعني قبول الحركة بأي شكل من أشكال نزع السلاح أو إنهاء المقاومة، بل تأتي ضمن رؤية استراتيجية لإعادة تموضع سياسي وتوحيد الساحة الفلسطينية، خاصة في ظل معطيات إقليمية متغيرة.
الدور المصري.. تماهي مستمر مع المطالب الإسرائيلية
ورغم أهمية الوساطة المصرية كممر جغرافي وسياسي، إلا أن الثقة الشعبية الفلسطينية والعربية في النظام المصري، وتحديدًا في إدارة عبد الفتاح السيسي، باتت شبه معدومة، لا سيما في ظل تكرار محاولاته تمرير رؤية “نزع سلاح المقاومة” كشرط لأي تهدئة – وهو مطلب إسرائيلي بامتياز.
إن مطالبات القاهرة المتكررة بحصر السلاح بيد “السلطة الشرعية” لا تخدم المصالح الفلسطينية، بقدر ما تعيد إنتاج شروط الاحتلال، عبر تسويق مفهوم “التهدئة مقابل التجريد”، وكأنها معادلة عادلة.
في الواقع، هذا الخطاب يفتح الباب أمام مشروع تفكيك البنية العسكرية للمقاومة لصالح تمكين الاحتلال من السيطرة غير المباشرة على غزة من خلال وكلاء محليين.
وقد سبق لمصر في اتفاقات سابقة – خاصة خلال هدنة يناير 2025 – أن روّجت لصيغ مشابهة، دون ضمانات أو حلول مستدامة، مما أدى لانهيار تلك التهدئة بمجرد عودة الاحتلال لفرض شروطه العسكرية في مارس.
ومع ذلك، يبدو أن السيسي مصرّ على تقديم نفسه كشريك موثوق لإسرائيل في “ترويض” المقاومة، ولو على حساب دماء الشعب الفلسطيني في غزة.
المقاومة بين الواقعية السياسية وثوابت التحرير
ومع التغيرات الكبيرة على الأرض بعد نحو 16 شهراً من العدوان الإسرائيلي المتواصل، يبدو أن حماس تدير المعركة السياسية بدهاء يمزج بين الواقعية والمبدئية.
فهي، وفق التسريبات، لم تمانع تسليم إدارة غزة، لكنها لم تُبدِ أي قبول بفكرة نزع السلاح أو تفكيك البنية التحتية للمقاومة، وهو ما يعتبر خطاً أحمر في أدبيات الحركة.
هذه الديناميكية تشير إلى أن حماس تدرك التغيرات الإقليمية والدولية وتتحرك في ضوئها، لكنها في الوقت ذاته حريصة على ألا تُستدرج إلى سيناريو “أوسلو جديد” في غزة، تحت غطاء تهدئة طويلة قد تنتهي بتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا.
فالحركة، في خطابها الرسمي وغير الرسمي، تميز جيداً بين إدارة المعركة وتقديم تنازلات جوهرية لا يمكن التراجع عنها لاحقاً.
التهدئة ليست سلامًا.. والمعركة لم تنته
المفاوضات الجارية اليوم، وإن بدت أكثر هدوءًا، إلا أنها تدور في حقل ألغام سياسي. فالاحتلال يسعى إلى تهدئة طويلة تتيح له إعادة ترتيب صفوفه دون التزامات استراتيجية، بينما يتحرك الوسطاء – وعلى رأسهم النظام المصري – بلغة لا تزال منحازة للاحتلال، رغم كل ما قيل عن “وساطة محايدة”.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المقاومة وقدرتها على التعامل بمرونة دون الوقوع في فخاخ التفكيك، وعلى الشعب الفلسطيني الذي أثبت خلال الشهور الماضية أن غزة لا تُباع، وأن مناعة الوعي الوطني أقوى من كل الضغوط الدولية والإقليمية.
اقرأ أيضًا : “كسر السيف”.. كمين بيت حانون يكشف براعة المقاومة واستنزاف الاحتلال