منذ اندلاع الحرب السودانية قبل ما يقارب ثلاثة أعوام، ظلّ المشهد السياسي والعسكري في حالة جمود قاتل، وسط تغوّل مليشيا “الدعم السريع” المدعومة إماراتياً، وتباطؤ المجتمع الدولي في تقديم حلول جادة، فيما احتكرت واشنطن وبعض حلفائها الإقليميين الملف السوداني لصالح أجنداتهم الضيقة.
في ظل هذا الواقع المأزوم، يبرز مقترح تحريك القضية عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة كمناورة سياسية ذكية قادرة على قلب الموازين، وفتح آفاق جديدة أمام السودان لإعادة الإمساك بزمام المبادرة.

مأزق الداخل والخارج: حرب بالوكالة وتدخل إماراتي سافر
الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا “الدعم السريع” لم تعد صراعاً داخلياً محضاً، بل تحولت إلى حرب بالوكالة، حيث تلعب الإمارات دوراً محورياً في تمويل وتسليح المليشيا، ونقل المرتزقة من دول أفريقية ومن كولومبيا لدعم آلة الحرب ضد المدنيين. هذه الرعاية الخارجية لم تكتف بتأجيج النزاع، بل أفسدت فرص الحل السياسي عبر دفع مليشيا الدعم السريع إلى التعنت ورفض أي مسار يعيد دمجها في مؤسسة الدولة العسكرية.
إلى جانب ذلك، سعت واشنطن إلى إعادة إنتاج الأزمة من خلال مقترحات “إطار سياسي” يكرس وجود جيش موازٍ تحت مسمى “إصلاح أمني”، ويمنح تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) اليد العليا في الحكم، في تجاهل تام للتوازنات الوطنية. وهكذا وجد السودان نفسه رهينة صراع إقليمي ودولي، بينما يستمر نزيف الدم والخراب بلا أفق.
مناورة الجمعية العامة: كسر الفيتو واستعادة زمام المبادرة
أمام فشل مجلس الأمن في إصدار قرار حاسم بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى واستخدام حق النقض (الفيتو)، فإن نقل الملف السوداني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل نقلة نوعية. هذا المسار يحرر السودان من شلل المجلس ويتيح عرض قضيته أمام جميع الدول الأعضاء دون قيود الفيتو.
ورغم أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة قانونياً، إلا أن لها قوة سياسية وأخلاقية وإعلامية ضخمة، كما أثبتت تجارب سابقة مثل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والحرب الكورية، والقضية الفلسطينية. بالتالي، مجرد انعقاد جلسة خاصة عن السودان سيعيد قضيته إلى قلب الأجندة الدولية التي تكاد تُدفن تحت أزمات أوكرانيا وغزة.
بناء تحالفات ذكية: طريق النجاح الدبلوماسي
نجاح هذه المناورة يتوقف على قدرة السودان على حشد دعم ثلث أعضاء الجمعية العامة (64 دولة) لعقد جلسة خاصة. الرقم يبدو كبيراً، لكنه قابل للتحقيق إذا استُخدمت بذكاء الكتل الدولية التي ينتمي إليها السودان:
- الجامعة العربية (22 دولة) يمكن أن تكون نواة أولية.
- الاتحاد الأفريقي (55 دولة) يتيح أغلبية حاسمة إذا جرى التنسيق الجاد.
- منظمة التعاون الإسلامي (57 دولة) كثير من أعضائها لديهم تعاطف تاريخي مع السودان.
- مجموعة الـ77 + الصين (134 دولة) تمثل أكبر كتلة تفاوضية.
-
حركة عدم الانحياز (120 دولة) تقليدياً ترفض التدخلات الأجنبية.
المطلوب ليس إقناع الجميع، بل تعبئة مجموعة من هذه الكتل لتأمين النصاب. وهنا يبرز دور رئيس الوزراء السوداني، إلى جانب مجلس السيادة، في قيادة حملة دبلوماسية نشطة توظف عضوية السودان وعلاقاته داخل هذه التكتلات.
خطاب جامع: تجاوز الروايات المفروضة
المعركة في الأمم المتحدة ليست مجرد أرقام أصوات، بل أيضاً معركة رواية. فبدلاً من أن يُختزل السودان في تقارير غربية تتحدث عن “إصلاح أمني” و”مليشيات أمر واقع”، ينبغي أن يقدم السودان سرديته الوطنية بنفسه، وفق ثلاثة محاور أساسية:
- كشف الحقائق: توثيق جرائم مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين، وكشف دور الإمارات في تمويلها وتسليحها.
- طرح رؤية وطنية: برنامج متكامل للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، مع تحديد واضح لاحتياجات البلاد.
- دعوة للتضامن الدولي: حشد الدعم السياسي والإنساني للضغط من أجل وقف الحرب.
هذا الخطاب سيسمح بإعادة تعريف السودان كفاعل لا كضحية، وكدولة تسعى لقيادة مصيرها لا كملف تديره القوى الكبرى.
المكاسب السياسية والإعلامية: السودان في قلب الأجندة العالمية
الجمعية العامة ليست مجرد قاعة اجتماعات، بل منبر عالمي تُترجم خطبه إلى ست لغات وتتابعها وسائل الإعلام عبر العالم. خطاب لرئيس الوزراء السوداني على منصتها سيكون بمثابة عودة السودان إلى الساحة الدولية كلاعب أساسي، بعد أن كاد يغيب وسط الأزمات الكبرى.
كما أن مجرد انعقاد الجلسة سيمثل إدانة معنوية للدعم السريع وحلفائه الإقليميين، خصوصاً الإمارات، ويضع داعمي المليشيا تحت ضغط سياسي وإعلامي غير مسبوق. هذا بدوره يفتح الباب لبناء تحالفات جديدة مع دول ترى في استقرار السودان مصلحة مشتركة مرتبطة بالأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وحماية طرق التجارة العالمية.
ضرورة سيادية لا خيار دبلوماسي
هذه المبادرة ليست ترفاً دبلوماسياً بل ضرورة سيادية. فهي الطريق الوحيد المتاح لكسر الجمود وإعادة الاعتبار لقضية السودان. نجاحها مرهون بقدرة السودانيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية والتحدث بصوت واحد. كما أن إشراك شخصيات دولية مثل الدكتور كامل إدريس، بخبرته وعلاقاته، يضيف وزناً مضاعفاً للمبادرة.
إنها فرصة لإعادة تعريف السودان كدولة ذات سيادة، ترفض الوصاية، وتتصدى للمليشيات المدعومة من الخارج. وفي لحظة فارقة كهذه، فإن أي تقاعس سيعني استمرار الحرب وتحول السودان إلى ساحة صراع بلا نهاية.
الخلاصة
المناورة الذكية بنقل الملف إلى الجمعية العامة ليست مجرد التفاف على شلل مجلس الأمن، بل هجوم استراتيجي مضاد يضع السودان في موقع المبادِر لا المتلقي. هي فرصة لكشف الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع، ولإجبار المجتمع الدولي على مواجهة مسؤوليته تجاه مأساة الشعب السوداني.
إنها خطوة قد تعيد رسم مستقبل السودان، وتثبت أن إرادة الشعوب يمكن أن تهزم مليشيا مدعومة بالمال والسلاح الخارجي، إذا ما امتلكت القيادة الشجاعة والرؤية الواضحة.
اقرأ أيضًا:لقطات أسر الجندي نمرود كوهين.. مشاهد تهز صورة الاحتلال