في مشهد يعيد إنتاج المأساة الفلسطينية بأقسى صورها، وجد عشرات آلاف النازحين في قطاع غزة أنفسهم مرة أخرى في مواجهة مباشرة مع الطبيعة، بعدما ضرب منخفض جوي قوي مناطق النزوح، مخلّفًا دمارًا واسعًا في مئات الخيام الهشة، وسط تحذيرات من موجة قطبية أشد قسوة خلال الأيام المقبلة. غير أن العاصفة هذه المرة لا تكشف فقط هشاشة الخيام، بل تفضح جريمة مركبة: حصار الاحتلال للحياة، وترك البشر عراة أمام البرد والمطر.

خيام لا تصمد… وبشر بلا حماية

الرياح العاتية المصحوبة بأمطار غزيرة اجتاحت مناطق نزوح مكتظة، أبرزها خان يونس ومحيطها، حيث وثّق سكان محليون ومدونون مشاهد لخيام تُقتلع من جذورها، وأغطية تتطاير، وأطفال يحاولون الاحتماء بأجساد ذويهم داخل مراكز إيواء بدائية. في منطقة المواصي غرب خان يونس، ظهرت عائلات بأكملها عاجزة عن تثبيت خيامها، بينما تسللت المياه إلى الفُرش والملابس القليلة التي يمتلكونها.

هذه الخيام، المصنوعة في الغالب من أقمشة رقيقة وبلا أرضيات عازلة، لا توفر الحد الأدنى من الأمان في فصل الشتاء. ومع كل هبة ريح، تتضاعف المخاوف من الغرق أو الانهيار، وتتحول لحظات الليل إلى اختبار قاسٍ للبقاء، خصوصًا للأطفال وكبار السن والمرضى.

ذاكرة الغرق تعود

المنخفض الحالي أعاد إلى الأذهان مشاهد الغرق التي شهدتها مخيمات النزوح نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين غمرت مياه الأمطار ومدّ البحر مئات الخيام المقامة على شاطئ خان يونس. يومها، نام أطفال على أرض موحلة، وفقدت عائلات ما تبقى من متاعها. واليوم، تتكرر المخاوف نفسها، لكن بظروف أكثر قسوة مع انخفاض درجات الحرارة واشتداد الرياح، ما يهدد بتفاقم الإصابات بالأمراض التنفسية وتدهور الأوضاع الصحية.

احتلال يمنع الدفء

لا يمكن فصل هذه الكارثة المناخية عن السياق السياسي والإنساني الأوسع. فغالبية العائلات النازحة ما زالت ممنوعة من الحصول على بيوت متنقلة (كرفانات) أو خيام إضافية أكثر صلابة، نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال مواد الإيواء، في خرق واضح لتفاهمات وقف إطلاق النار، بحسب مسؤولين فلسطينيين وجهات إغاثية.
هنا، لا يعود البرد مجرد ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى أداة قتل بطيء، يُترك فيها المدنيون—أغلبهم من الأطفال والنساء—في مواجهة مباشرة مع العوامل الجوية دون حماية أو بدائل.

منخفض قطبي يلوح في الأفق

فنيًا، أوضح الراصد الجوي ليث العلامي أن الأراضي الفلسطينية، بما فيها غزة، تتأثر بمنخفض جوي سريع مصحوب بكتلة هوائية باردة ورياح قد تصل سرعتها إلى 80 كيلومترًا في الساعة، مع ارتفاع ملحوظ في أمواج البحر بالمناطق الساحلية. ورجّح انحسار هذا المنخفض مساء الجمعة، لكنه حذّر من احتمالية مرتفعة لوصول منخفض قطبي يوم الاثنين المقبل، يُتوقع أن يكون أشد وطأة، مع أمطار غزيرة ومتواصلة قد تتسبب بتشكل سيول وبرك مياه، إضافة إلى رياح قوية وبرودة شديدة.

هذه التوقعات تثير قلقًا واسعًا في أوساط النازحين، الذين يدركون أن خيامهم لن تصمد طويلًا أمام موجة قطبية، وأن أي ليلة ماطرة قد تتحول إلى كارثة إنسانية جديدة في ظل انعدام وسائل التدفئة وندرة الأغطية.

كارثة إنسانية مفتوحة

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد “طقس سيئ”، بل فصل إضافي من فصول الإبادة الصامتة. فالاحتلال الذي دمّر البيوت والبنية التحتية، يواصل منع أدوات النجاة البسيطة، ويترك عشرات آلاف المدنيين رهائن للبرد والمطر. ومع عجز المجتمع الدولي عن فرض إدخال مستلزمات الإيواء، تتحول كل عاصفة إلى تهديد وجودي يطال حياة الناس وكرامتهم.

أسئلة بلا إجابات

أمام صور الأطفال المرتجفين تحت المطر، والعائلات التي تستغيث لإنقاذ ما تبقى من خيامها، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي حاد: إلى متى سيبقى الفلسطيني في غزة محاصرًا حتى من حقه في الدفء؟ وهل يحتاج العالم إلى عاصفة أكبر ليعترف بأن ما يجري جريمة مكتملة الأركان، لا تقل قسوة عن القصف، بل تكمله؟

في غزة، العاصفة ليست في السماء فقط… بل في صمت العالم أيضًا.

اقرأ أيضًا : صحف دولية: إسرائيل تتراجع عن فتح معبر رفح وتُضيّق الخناق على غزة