في خطوة بدت بمثابة تحدٍ مباشر لضغوط الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت منظمة الصحة العالمية عزمها البقاء في مدينة غزة المحاصرة، رافضة أوامر الإخلاء الجماعي التي أصدرها جيش الاحتلال لسكان المدينة للانتقال جنوبًا، وسط مؤشرات على تصعيد عسكري وشيك قد يفاقم الكارثة الإنسانية.

وحذّرت المنظمة من أنّ مغادرة المؤسسات الطبية لمدينة غزة قد تعني انهيار ما تبقى من النظام الصحي المتداعي أصلًا، مشدّدة على أن نصف المستشفيات العاملة حاليًا في القطاع تتركّز داخل المدينة التي يقطنها نحو مليون إنسان.

منظمة الصحة: باقون رغم الأوامر الإسرائيلية بالإخلاء

في بيان رسمي نُشر عبر حساب المنظمة على منصة “إكس”، أكدت منظمة الصحة العالمية أنها “لا تزال في قلب مدينة غزة رفقة شركائها الإنسانيين”، معلنة رفضها أوامر الإخلاء التي صدرت مؤخرًا عن جيش الاحتلال.

وأوضحت أنّ ما يُسمى بـ”المنطقة الإنسانية” التي حددتها إسرائيل في جنوب قطاع غزة، تفتقر بشكل كامل إلى البنية التحتية والخدمات الصحية اللازمة لاستيعاب السكان الموجودين أو الوافدين الجدد، مؤكدة أن التكدّس السكاني الهائل وسوء الصرف الصحي ونقص المياه والأدوية يجعل الانتقال إليها خطرًا صحيًا بحد ذاته.

وشدّدت المنظمة على أن نصف المستشفيات العاملة في القطاع تقع داخل مدينة غزة، وأن خسارة أي منها ستكون “ضربة قاتلة” للنظام الصحي الذي يترنح تحت وطأة الحصار ونقص الوقود وانقطاع الإمدادات الطبية الأساسية. كما حذرت من أن القتال المتواصل يعيق وصول سيارات الإسعاف ويمنع المرضى من الوصول إلى المرافق الصحية، مشيرة إلى أن تجارب الإخلاء السابقة أفضت إلى انهيار سريع للخدمات الطبية بسبب انقطاع الإمدادات وتعطّل شبكات الكهرباء والاتصالات.

حرب التهجير القسري تدفع نحو كارثة إنسانية

يأتي موقف منظمة الصحة في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال حملة تدمير ممنهجة للمباني السكنية المرتفعة في مدينة غزة منذ عدة أيام، في محاولة لإجبار السكان على النزوح جنوبًا. وكان الجيش قد وجّه الثلاثاء دعوةً لجميع سكان المدينة لمغادرتها فورًا، محذّرًا من هجوم “عنيف ووشيك”. ويقول مراقبون إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق واقع ميداني جديد يُمكّن الاحتلال من تفريغ شمال القطاع من سكانه تمهيدًا لفرض مخطط تهجير جماعي، بمباركة أمريكية ضمنيًا.

وقد تباهى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الاثنين بأن جيشه دمّر خمسين مبنى سكنيًا في مدينة غزة خلال يومين فقط، متوعدًا بالمزيد بقوله: “هذا مجرد مقدّمة وتمهيد للعملية الرئيسية”. في السياق نفسه، توعد وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس بمواصلة قصف المباني المرتفعة وتدمير قطاع غزة بأكمله ما لم يتم إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وإلقاء السلاح، في لهجة تنذر بإبادة عمرانية وبشرية شاملة للمدينة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن نحو مليون إنسان لا يزالون يعيشون في مدينة غزة ومحيطها، يعانون من انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأوبئة وتدمير البنية التحتية، ما يجعل أي عملية نزوح جماعي قسري نحو الجنوب “كارثة محققة”.

فمخيمات النزوح في الجنوب مكتظة بالفعل، وتفتقر إلى مياه الشرب النظيفة والصرف الصحي والأدوية، وقد تحوّلت إلى بؤر محتملة لتفشي الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتيفوئيد.

إبادة ممنهجة تحت غطاء الدعم الأمريكي

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تواصل إسرائيل شنّ حرب إبادة جماعية على قطاع غزة المحاصر، أسفرت حتى الآن عن استشهاد 64,605 فلسطينيين وإصابة 163,319 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء، وفق وزارة الصحة في غزة.

كما تسببت الحرب في تشريد مئات الآلاف وتجويع السكان حتى الموت، إذ أودت المجاعة بحياة 404 فلسطينيين بينهم 141 طفلًا، في ظل الحصار الخانق ومنع دخول المساعدات الإنسانية والوقود والأدوية.

وتحظى هذه الحملة بدعم سياسي وعسكري أمريكي سافر، تجلى في تزويد الاحتلال بالقنابل الثقيلة والطائرات القتالية، وتوفير الحماية الدبلوماسية له في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور أي قرار بوقف إطلاق النار أو محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.

ويقول محللون إن الولايات المتحدة تغض الطرف عن جرائم الإبادة الجماعية وتدمير البنية التحتية المدنية في غزة، بدعوى “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بينما يُترَك أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون الموت البطيء جوعًا ومرضًا تحت القصف.

تحذير أخير من انهيار كامل للنظام الصحي

تحذير منظمة الصحة العالمية من مغبة خسارة أي من المستشفيات المتبقية في غزة يسلّط الضوء على مرحلة حرجة قد تكون الأخيرة قبل الانهيار الكامل للنظام الصحي. فمعظم المرافق تعمل بأقل من 30% من طاقتها الاستيعابية، وتفتقر إلى الوقود لتشغيل المولدات أو الأدوية الأساسية لإنقاذ الأرواح، فيما يُمنع المرضى من الخروج لتلقي العلاج بالخارج. وتؤكد المنظمة أن استمرار الهجمات سيقود إلى “إبادة صحية” توازي المجازر العسكرية، وأن صمت العالم أمام سياسات الاحتلال الإجرامية يمثل تواطؤًا في جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان.

اقرأ أيضًا : اغتيال تشارلي كيرك يهز أمريكا.. ترامب يتوعد والشرطة تبحث عن القاتل