في تطور قانوني وإستراتيجي بارز يضع النظام الإماراتي في مواجهة مباشرة مع القضاء الدولي، تقدم ناجون سودانيون بمذكرة قانونية رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، تطالب بفتح تحقيق جنائي موسع مع مسؤولين إماراتيين كبار وشخصيات بارزة في قطاع المال والأعمال، على خلفية تورطهم في تمويل ودعم الجرائم الفظيعة وحرب الإبادة التي شنتها ميليشيا الدعم السريع في إقليم دارفور غربي السودان.

وتسعى المذكرة القانونية، التي قُدمت إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، إلى ملاحقة الداعمين الأجانب للميليشيا شبه العسكرية؛ حيث جرى تسمية منصور بن زايد نائب رئيس الإمارات، كأحد أبرز الشخصيات المتورطة في الحفاظ على علاقات وثيقة مع الميليشيا والإشراف على تدفقات الدعم المالي واللوجستي والعسكري لها.

الغطاء القانوني: مواد “المساعدة والتحريض” في نظام روما

واستند مقدمو البلاغ إلى أدلة تطلب من المدعين العامين فحص المسؤولية القانونية للوسطاء والممولين الإماراتيين بموجب المادتين 25(3)(ج) و25(3)(د) من نظام روما الأساسي، والمتعلقين بـ:

  • ملاحقة الأشخاص الذين يساعدون أو يحرضون على ارتكاب الجرائم الدولية.
  • تجريم كل من يساهم عن علم في تسهيل جرائم ترتكبها مجموعة تعمل لتحقيق هدف مشترك.

تصريح: أكدت إليز لو غال، المحامية المقيمة في باريس والتي قدمت البلاغ نيابة عن سبعة ضحايا من نازحي شمال السودان: “لا يمكن ارتكاب الجرائم الدولية بدون شبكات دعم.. يجب على المدعين العامين التدقيق في الجهات الاقتصادية والرسمية التي ساعدت ميليشيا الدعم السريع عبر التمويل، أو الدعم اللوجستي، أو توفير الأفراد والمعدات”.

تورط إماراتي موثق: جسور جوية ومرتزقة وغطاء إنساني مفضوح

وعلى الرغم من نفي الإمارات المتكرر، إلا أن المذكرة القانونية استندت إلى ترسانة من التحقيقات الدولية والتقارير الاستخباراتية والصحفية التي توثق تورط أبوظبي منذ منتصف عام 2023 في تزويد الميليشيا بالسلاح عبر شبكات معقدة، ومنها:

  1. شبكة الإمداد الإقليمية (يناير 2024): كشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن خطوط إمداد إماراتية تمتد عبر ليبيا وتشاد وأوغندا ومناطق انفصالية في الصومال، فضلاً عن دعم سري مؤخراً عبر قاعدة “أسوسا” الإثيوبية ورصد مركبات مشبوهة في ميناء بربرة بأرض الصومال حيث تتواجد الإمارات عسكرياً.
  2. سلاح تحت غطاء المساعدات: أثبت تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” أن الإمارات هربت أسلحة ثقيلة ونوعية للميليشيا عبر جسر جوي بمطار “أمجراس” في تشاد تحت غطاء شحنات المساعدات الإنسانية وهلالها الأحمر.
  3. تجنيد المرتزقة (مايو): وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قيام شركة مقرها الإمارات بتوظيف مرتزقة كولومبيين وتمريرهم عبر قواعد عسكرية إماراتية قبل نشرهم للقتال بجانب ميليشيا الدعم السريع في السودان.

الفاشر “صندوق القتل”: جرائم تحمل سمات الإبادة الجماعية

وتكتسب الدعوى فظاعتها القانونية من توثيق الجرائم التي تلت سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بيد ميليشيا الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار خانق استمر 500 يوم؛ حيث أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمقتل أكثر من 6000 شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من اقتحام المدينة.

  • تدمير وحشي: وصف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة “ييل” عبر تحليل الأقمار الصناعية السواتر الترابية للميليشيا حول الفاشر بأنها شُكلت كـ “صندوق قتل” للمواطنين.
  • جرائم ميدانية مروعة: تتضمن الدعوى اتهامات موثقة بالقتل، والتعذيب، والاغتصاب، والتهجير القسري، وقصف المستشفيات، ودهس المدنيين الفارين عمداً بالمركبات العسكرية.
  • نية الإبادة: خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن سلوك الميليشيا في الفاشر وعمليات قتل أفراد قبيلتي الزغاوة والفور يحمل نية الإبادة الجماعية؛ وحذرت منى رشماوي، العضوة في البعثة، من أن الدول الداعمة للميليشيا (في إشارة للإمارات) تخاطر بالتورط الجنائي المباشر في أعمال الإبادة.

الولاية القضائية للمحكمة والجنسية الإماراتية

تمتلك المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية نافذة على إقليم دارفور بموجب إحالة رسمية من مجلس الأمن الدولي منذ عام 2005، مما يمنحها الحق القانوني بملاحقة أي أفراد من أي جنسية كانت إذا ثبت تورطهم في الجرائم المرتكبة هناك.

ويرى خبراء قانونيون دوليون أن هذه الولاية تمتد تلقائياً وبشكل نظري لتطال المسؤولين الإمارتيين المتهمين بالمساعدة والتحريض، مما يمهد الطريق لإصدار مذكرات توقيف دولية بحق قادة في أبوظبي بتهمة تمويل الإبادة الجماعية وتأمين السلاح الفتاك لميليشيا الدعم السريع.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال