في خطوة اعتبرها مراقبون استفزازاً سافراً واستخفافاً بالتاريخ والهوية المصرية، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية مزاعم غير موثقة حول اكتشاف “تابوت العهد” وقبر السيد المسيح أسفل الهرم الأكبر في الجيزة.
التقرير الذي نشره موقع “واللا” الإسرائيلي، استند إلى ادعاءات عالم أنثروبولوجيا بريطاني يدعى “بول وارنر”، زعم أنه اكتشف “السر الأعظم في التاريخ”، دون أن يقدم دليلاً علمياً واحداً يؤكد صحة ما يقول.
هذه الادعاءات، التي تأتي في ذروة الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة، لا تبدو بريئة، بل تحمل في طياتها أبعاداً دعائية واستفزازية، تستهدف إعادة إنتاج السرديات الاستعمارية القديمة، والتشويش على مشهد الصمود الفلسطيني، وصرف الأنظار عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.

الهرم… والزمان المغلوط: تناقض علمي وديني فادح
وفقاً للحقائق التاريخية المعترف بها دولياً، فإن الهرم الأكبر بُني في عهد الفرعون خوفو، أي في حوالي عام 2560 قبل الميلاد. وهو تاريخ يسبق ظهور الديانة اليهودية بما يزيد عن 1200 عام، والمسيحية بما يزيد عن ألفي عام.
ومع ذلك، زعم التقرير أن “تابوت العهد” الذي صنعه بنو إسرائيل في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، يوجد أسفل الهرم، إلى جانب “قبر المسيح” المرتبط بحسب العقيدة المسيحية بمدينة القدس، وليس بمصر.
هذا الخلط الوقح بين الأزمنة والديانات والمواقع الجغرافية، ليس سوى مؤشر على انعدام الجدية والمنهج العلمي، ويدعو للتساؤل عن الأهداف الحقيقية من نشر مثل هذه الروايات في هذا التوقيت تحديداً.
بين زاهي حواس والاحتلال: مزاعم للتشويش والابتزاز الثقافي
لم يكتف التقرير الإسرائيلي بالترويج للخرافة، بل اتهم السلطات المصرية، وعلى رأسها الدكتور زاهي حواس، بـ”عرقلة الحقيقة” ومنع العالم من الوصول إلى ما أسماه “الاكتشاف العظيم”.
وفي الوقت الذي أشادت فيه كبرى المؤسسات البحثية الدولية بتعاون وزارة الآثار المصرية مع عشرات البعثات العلمية العالمية، تظهر هذه الاتهامات بوصفها امتداداً لمحاولات إسرائيلية قديمة لفرض وصاية معرفية على الإرث الحضاري المصري.
هذا النوع من الادعاءات، والذي يعتمد على خطاب استعلائي ينكر دور مصر في حماية تراثها، يعكس ذهنية استعمارية متجددة، تحاول نسب الآثار والرموز الحضارية إلى روايات دخيلة، لإضفاء شرعية دينية أو سياسية على مشاريعها التوسعية.
خلفيات التوقيت: هل جاء التقرير في سياق حرب نفسية؟
يرى محللون أن توقيت بث هذا التقرير ليس عفوياً، إذ يتزامن مع تصاعد الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، واشتداد الغضب العربي والدولي ضد السياسات الاستيطانية والتهجيرية التي تنتهجها سلطات الاحتلال.
ومن ثم، فإن إثارة الجدل حول “تابوت العهد” و”قبر المسيح” في مصر، ليست سوى أداة لصرف الانتباه، وتوظيف الموروث الديني بطريقة تشويشية، تخلط الحقائق بالأساطير، والتاريخ بالخرافة.
بل إن بعض الأصوات في الإعلام المصري اعتبرت التقرير الإسرائيلي محاولة لجرّ مصر إلى مواجهة ثقافية وهمية، تعيد إنتاج النقاش حول “أرض الميعاد” والحق التاريخي الزائف، وهو أسلوب يتكرر كلما اشتدت عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
الهرم المصري في وجه العبث: رمز للسيادة والهوية
ليست هذه هي المرة الأولى التي تُربط فيها الأهرامات بروايات دينية لا سند لها. فقبل أعوام، ادّعى باحثون أمريكيون أن الأهرامات بُنيت على يد مخلوقات فضائية، وقبلهم حاولت إسرائيل تسويق رواية بأن اليهود أسهموا في بناء الأهرامات أثناء فترة الأسر في مصر، وهي أكاذيب دحضتها وثائق علم الآثار.
لكن الجديد في هذه الموجة، هو توظيفها في سياق سياسي يخدم الاحتلال الإسرائيلي، ويستفز الشعب المصري، ويهدد بتفجير معارك هوية وتاريخ في لحظة إقليمية مشحونة. في المقابل، تؤكد مصر، شعباً ومؤسسات، أن تراثها الحضاري ليس مجالاً للتشويه، وأنها ستتصدى بكل قوة لأي محاولات لسرقة أو تزوير تاريخها.
صراع الرواية مستمر.. ومصر تقف بالمرصاد
في عالم تتزايد فيه المعارك بين الحقيقة والدعاية، تقف مصر في مواجهة محاولات طمس هويتها التاريخية، سواء كانت تأتي من أبواق إسرائيلية أو روايات استعمارية مغلفة بالعلم.
ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، فإن هذه المحاولة لخلق “قصة بديلة” حول أحد أعظم رموز الحضارة الإنسانية ليست سوى وجه آخر من أوجه الصراع، الذي بات يمتد من الأرض إلى التاريخ، ومن المعركة العسكرية إلى المعركة الثقافية.
إن الدفاع عن الهرم، لم يعد فقط دفاعاً عن قطعة من الحجر، بل بات دفاعاً عن الهوية، والسيادة، والحق في سرد تاريخ الأمة من داخلها، لا عبر فوهات بندقية الاحتلال أو أبواقه الإعلامية.
اقرأ أيضًا : مقترح هدنة طويلة.. والسيسي يواصل التماهي مع الرؤية الإسرائيلية