بقلم / أحمد محمد أحمد

في تحول غير مسبوق منذ توليه الحكم، وصف رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي دولة الاحتلال الإسرائيلي بـ”العدو” خلال كلمته أمام القمة العربية الإسلامية بالدوحة، وهو أول استخدام رسمي لهذا الوصف منذ عقود امتنعت فيها الرئاسة المصرية عن إطلاقه على تل أبيب، رغم خوض مصر أربع حروب عسكرية ضدها.

لكن هذا التحول اللفظي فجّر تساؤلات واسعة حول ما إذا كان يعكس تغيّرًا حقيقيًا في بوصلة القاهرة، أم أنه مجرد مناورة خطابية مؤقتة من رجلٍ كرّس نفسه عميلًا للمصالح الإسرائيلية، عبر سنوات من التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي والتطبيع العلني، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد بسبب المجازر الجارية في غزة والاعتداء الإسرائيلي على الأراضي القطرية.

لهجة تصعيدية غير مألوفة في قمة الدوحة

في القمة التي جاءت دعما لقطر من 57 دولة بعد الغارات الإسرائيلية على الدوحة، تحدث السيسي بلهجة مفاجئة، إذ وصف استهداف 15 مقاتلة إسرائيلية لقيادات المقاومة في حي القطيفية بـ”العدوان الآثم”، واتهم الاحتلال بمحاولة “تحويل المنطقة إلى ساحة مستباحة للاعتداءات”، قائلاً إنه “تخطى كافة الخطوط الحمراء” ويمارس “انفلاتًا وغطرسة آخذة في التضخم”.

ثم وجّه حديثه مباشرة للإسرائيليين محذّرًا من “عواقب وخيمة” و”عودة المنطقة إلى أجواء الصراع”، قبل أن يختتم خطابه بالإشارة إلى ضرورة أن يغير “العدو” نظرته تجاه الدول العربية، في أول مرة يستخدم فيها رئيس مصري هذا الوصف منذ زيارة أنور السادات إلى القدس عام 1977.

تاريخ من الودّ والعمالة.. لا يشبه خطاب العداء

منذ وصوله للحكم، تجنّب السيسي وصف الاحتلال بالعدو، بل قدّم العلاقة معه كنموذج للاستقرار، فوصفها في مقابلة مع “CBS” عام 2018 بأنها “الأكثر استقرارًا”، وتحدث عن “تعاون واسع في سيناء”، كما امتدح نتنياهو عام 2016 بوصفه “قائدًا بقدرات عظيمة”، بينما حصر مصطلح “العدو” على خصومه السياسيين المحليين.

لذلك بدا استخدامه المفاجئ لهذا الوصف صادمًا، خاصة أن التعاون الأمني والاستخباراتي والغازي مع تل أبيب ظل في ذروته خلال سنوات حكمه، ما يجعل حديثه في الدوحة أقرب إلى استعراض لفظي لا يعكس أي تخلٍ عن عمالته الطويلة للاحتلال.

مناورة لإنقاذ الكرسي لا نصرة غزة

رأى ناشطون أن ما قاله السيسي لا يكفي، إذ دعا المعارض تامر شوقي إلى تخفيض التمثيل الدبلوماسي، وتعليق اتفاقيات الغاز، وإغلاق المجال الجوي أمام الطيران الإسرائيلي، والسماح بأسطول الصمود بالتحرك نحو غزة، بينما تساءل الإعلامي هيثم أبو خليل: “لماذا لا يغلق سفارة العدو أو يوقف التنسيق الأمني معه؟ ولماذا يمنع التظاهرات ضده؟”.

ويرى الخبير السياسي ممدوح المنير أن ما حدث “تصعيد لغوي مجاملة للدوحة” أكثر منه تغيّرًا حقيقيًا، مؤكّدًا أن “السيسي كنز استراتيجي لإسرائيل”، وأن الخطاب جاء في قمة ألزمته برفع النبرة بعد ضربة إسرائيلية للدوحة، لكنه لا يعني تفكيك التعاون الراسخ أمنيًا واقتصاديًا.

الخوف على السلطة محرّك الخطاب الجديد

يقول المنير إن أي تصعيد مصري فعلي سيكون فقط إذا حاول الاحتلال تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، لأنه “يمس بقاء النظام ذاته لا الأمن القومي المصري”، مشيرًا إلى أن “من تنازل عن تيران وصنافير وحقوق مصر المائية وترك الاحتلال يحتل محور صلاح الدين وجوّع غزة، لن يتحرك بدافع وطني”.

ويرى أن “إلغاء معاهدة السلام أو إغلاق المجال الجوي أو طرد الإسرائيليين من سيناء احتمالات ضعيفة ما لم يقع حادث يهدد بقاء النظام”، مضيفًا أن “اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي يجعل أي تعليق شامل لاتفاقات الطاقة مكلفًا جدًا”، وأن “التحرك الحقيقي الوحيد الممكن هو فتح معبر رفح من الجانبين لكنه لن يفعله”.

تحرّكات عسكرية محكومة بفيتو أمريكي

ورغم التصعيد الخطابي، كشفت تقارير إسرائيلية عن حشد الجيش المصري 40 ألف جندي قرب غزة، ونشر منصات دفاع جوي صينية (HQ-9B) في سيناء، وتعليق جزئي للتنسيق الأمني، بالتوازي مع دعوة القاهرة لإنشاء قوة عربية مشتركة تضم 20 ألف جندي مصري. لكن محللين يؤكدون أن أي تحرك فعلي مرهون بموافقة واشنطن، التي تمنح تل أبيب دعمًا سياسيًا مطلقًا وقد تستخدم المعونة كأداة ضغط لمنع القاهرة من أي مواجهة مباشرة.

ويرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى تل أبيب بالتزامن مع قمة الدوحة حملت رسائل ضمنية لمصر، إذ حذّر صحفيون من احتمال منح واشنطن الاحتلال “ضوءًا أخضر” لتنفيذ “ضربة خاطفة” تستهدف القوات المصرية في سيناء إذا منعت تهجير الغزيين، ثم التدخل لاحتواء التصعيد ومنع الرد المصري.

خلاصة: عميل يلوّح بشعار العداء لإنقاذ نفسه

في المحصلة، يبدو أن لهجة السيسي الجديدة أقرب إلى محاولة للهروب من الغضب الشعبي والإقليمي، لا إلى تحوّل استراتيجي حقيقي. فالرجل الذي بنى علاقته بتل أبيب على التعاون الأمني والغازي وتضييق الخناق على غزة، يحاول الآن أن يتظاهر بالعداء لإنقاذ نفسه من السقوط، لا لإنقاذ فلسطين من الاحتلال.

اقرأ أيضًا : إجرام السيسي وشرطته.. هل يدفع قتل المصريين تحت التعذيب لثورة جديدة؟