في تصعيد جديد يعكس عمق الأزمة في جنوب اليمن، فجّر ما يُعرف بـ«انتقالي عدن» مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، بعدما أعلنت هياكله القيادية والتشريعية رفضها القاطع لـ«بيان الرياض» الذي تضمّن قرار حل المجلس، في خطوة كشفت حجم الانقسام داخل الكيان نفسه، وعرّت في الوقت ذاته طبيعة الدور الإقليمي الذي رعاه ومكّنه خلال السنوات الماضية.
![]()
تمرد سياسي أم محاولة إنقاذ أخيرة؟
البيان الصادر عن الهيئات المتبقية في عدن، والتي تزعم تمثيل «الإرادة الجنوبية»، لم يكن مجرد اعتراض إداري على قرار حل، بل جاء بصيغة تمرد سياسي مباشر، واتهام صريح للسعودية بممارسة “الإكراه والاحتجاز القسري” بحق وفد المجلس في الرياض. هذا الخطاب التصعيدي يعكس إدراكًا متأخرًا لدى قيادات الانتقالي بأن الغطاء الإقليمي الذي حماهم ووسّع نفوذهم بدأ يُسحب، وأن مرحلة «التوظيف الوظيفي» للمجلس تقترب من نهايتها.
فاللافت أن البيان لم يتطرق إلى الأسباب الجوهرية التي قادت إلى قرار الحل، وفي مقدمتها الانخراط في مغامرات عسكرية خارج التوافق الوطني، وفرض أمر واقع بالقوة في حضرموت والمهرة، وهي خطوات اعتُبرت تجاوزًا للخطوط الحمراء حتى لدى الداعمين الإقليميين أنفسهم.
مليشيا انفصالية بغطاء سياسي
سلوك «انتقالي عدن» خلال الأشهر الأخيرة عزّز توصيفه كـمليشيا انفصالية أكثر منه كيانًا سياسيًا، إذ لجأ إلى السلاح لفرض مشروعه، ووسّع انتشاره العسكري في محافظات استراتيجية دون أي تفويض وطني أو قانوني. هذا السلوك دفع قطاعات واسعة من اليمنيين، وحتى قوى جنوبية، إلى اعتباره أداة تفجير داخلي تهدد ما تبقى من استقرار هش في البلاد.
ومع أن المجلس حاول تسويق نفسه كممثل حصري للجنوب، إلا أن الواقع كشف محدودية قاعدته الشعبية، واعتماده شبه الكامل على الدعم الخارجي، سياسيًا وعسكريًا وماليًا، ما جعله هشًا أمام أي تغيير في المزاج الإقليمي.
الدور الإماراتي… من الرعاية إلى التخريب
لا يمكن قراءة أزمة «الانتقالي» بمعزل عن الدور الإماراتي، الذي مثّل منذ تأسيس المجلس الداعم الأول له. فقد تعاملت أبو ظبي مع الجنوب اليمني بوصفه ساحة نفوذ، لا جزءًا من دولة ذات سيادة، وسعت عبر بناء تشكيلات مسلحة موازية للدولة إلى فرض وقائع تخدم أجندتها في الموانئ والجزر والممرات البحرية.
الدعم الإماراتي للمجلس لم يكن بدافع «نصرة قضية جنوبية»، بل في إطار مشروع تفكيك الدولة اليمنية، وإضعاف السلطة المركزية، وتحويل الجنوب إلى كانتونات أمنية تدار بالوكالة. وعندما تحوّل «الانتقالي» من أداة ضغط إلى عبء يهدد الاستقرار الإقليمي، بدأت أبو ظبي بالتخلي عنه تدريجيًا، تاركة إياه في مواجهة مصيره.
الدولة تستعيد زمام المبادرة
في المقابل، جاءت تحركات وزارة الدفاع اليمنية لتؤكد أن الدولة، رغم هشاشتها، قررت وضع حد لحالة الفوضى. إعلان حالة الطوارئ، والتأكيد على حماية المنشآت السيادية وتأمين الطرق، يعكس انتقالًا من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم، خصوصًا بعد استعادة حضرموت والمهرة بواسطة قوات «درع الوطن»، وترحيب محافظات أخرى بالقوات الحكومية.
هذا التحول يحمل رسالة واضحة: زمن المليشيات الخارجة عن الشرعية يقترب من نهايته، وأن أي كيان لا يلتزم بالمسار الوطني الجامع سيُعامل كتهديد أمني، لا كشريك سياسي.
نهاية مرحلة لا نهاية قضية
محاولة «انتقالي عدن» نفي قرار حل نفسه، والتشبث بشرعية مزعومة، تبدو أقرب إلى محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في وقت باتت فيه الأطراف اليمنية والإقليمية تتعامل معه كمرحلة انتهت. القضية الجنوبية، التي يزعم المجلس احتكارها، أوسع وأعمق من كيان مسلح صُنع في غرف الاستخبارات، ولن تُحل عبر مليشيات أو وصاية خارجية.
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس صراع بيانات، بل إعادة رسم لمعادلة القوة في جنوب اليمن، عنوانها الأبرز: سقوط المليشيا، وانكشاف الدور الإماراتي، ومحاولة الدولة استعادة سيادتها، ولو بعد حين.
اقرأ أيضا : قريبًا جدًا؟ البرهان يرفع سقف الحرب ويتوعد «الدعم السريع» بالنصر