في مشهدٍ استثنائي داخل أروقة مؤتمر دولي بجنيف، غادر الوفد الموريتاني الجلسة احتجاجًا على منح الكلمة لممثل الاحتلال الإسرائيلي، مُسجّلاً موقفًا سياديًا ومبدئيًا قلّما يتكرر في المحافل الدولية، ومؤكدًا أن موريتانيا الرسمية والشعبية لا تزال تُجسّد صوتًا نقيًّا في زمن الصفقات والتطبيع.
الانسحاب.. رسالة بلا مجاملات
الانسحاب جاء صريحًا، بلا دبلوماسية مرنة ولا عبارات مواربة. قالها الوفد بوضوح:
“لا مكان لمجرمي الحرب على طاولة العمل الدولي.”
وتحدّث عضو الوفد، محمد ولد الرباني، بلسان الوفد بأكمله:
“وجود ممثل للاحتلال هو شرعنة للإبادة بحق الفلسطينيين… وهذه رسالة للعالم: الشعب الفلسطيني ليس وحيدًا.”
ولم يكن التحرك الموريتاني معزولًا؛ فقد تبعته وفود عربية أخرى، في إشارة إلى أن الموقف الأخلاقي لا يزال قادرًا على إحياء شعور التضامن العربي، وإن كان متقطعًا.
موريتانيا… من السياسة إلى الشارع: مع فلسطين حتى النهاية
لم يكن الانسحاب إلا حلقة جديدة في سلسلة مواقف اتخذتها موريتانيا، حكومةً وشعبًا، منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر. فالموقف الشعبي الذي تجلى في المسيرات والفعاليات والتبرعات، بلغ ذروته حين جمعت القبائل الموريتانية أكثر من 16 مليون دولار دعمًا لغزة – رقم غير مسبوق في العالم العربي.
وترافقت هذه الجهود مع:
- حملات طلابية رافضة للتطبيع.
- أمسيات تضامنية سياسية وثقافية.
- مشاركات جماعية لقادة الأحزاب في مظاهرات الدعم لغزة.
- تصريحات رسمية لوزير الخارجية وقيادات الدولة تدين جرائم الاحتلال بلهجة صارخة غير معتادة دبلوماسيًا.
في وجه الصمت الدولي.. موريتانيا ترفع الصوت
في وقتٍ تحوّلت فيه المؤتمرات الدولية إلى منصات لغسل جرائم الاحتلال، جاءت الخطوة الموريتانية لتُربك هذا “الروتين الإنساني البارد”، وتعيد تعريف معنى الحضور السياسي، إذ أن:
- الاحتلال يقتل الأطفال ويُدعى لإلقاء كلمة.
- والضحايا يدفنون بصمت، بينما الجلاد يُمنح المنبر.
من هنا، كان انسحاب الوفد الموريتاني رسالة احتجاج ضد التواطؤ المؤسسي الدولي، ورسالة دعم قوية إلى أهالي غزة المحاصرين والمكلومين.
مفارقة: في جنيف يُستقبل القاتل… وفي نواكشوط يُحتفى بالمقاوم
في عالمٍ اختلطت فيه المواقف، واختنقت فيه الضمائر خلف الأروقة الرسمية، أعادت موريتانيا التوازن إلى المشهد، وأكدت أن:
- المبادئ لا تتجزأ.
- وأن التطبيع خيانة، لا وجهة نظر.
- وأن من يقتل الأطفال لا يجب أن يُكرَّم بالكلام في قاعات المؤتمرات، بل يُحاكم.
موقف الوفد الموريتاني لم يكن مجرد انسحاب من جلسة، بل وقفة ضمير في لحظة انهيار أخلاقي عالمي، ورسالة واضحة للعالم:
إذا صمتت المؤسسات، فإن الشعوب لا تزال تنطق بالحق.
وموريتانيا – على صغر حجمها الجغرافي – أثبتت من جديد أن الثبات على المبادئ أعظم من كل الصفقات.
وفي زمن تتراجع فيه كثير من العواصم العربية نحو التطبيع والانبطاح، تبقى نواكشوط عنوانًا للكرامة… وفلسطين تعرف جيدًا من بقي معها فعلًا لا شعارًا.
اقرأ أيضا: مستشار قائد “الدعم السريع” في موريتانيا.. ما علاقة الإمارات؟