تجددت الاشتباكات خلال اليومين الماضيين في منطقتي جرمانا وصحنايا بريف العاصمة دمشق، بين مجموعات مسلحة من الطائفة الدرزية وقوات الأمن السوري، وسط تبادل الاتهامات وتزايد أعداد الضحايا، ما ينذر بانفجار فتنة طائفية تستثمر فيها أطراف خارجية لإشعال الداخل السوري مجددًا. 

وبحسب المعطيات الرسمية والمصادر المحلية، قُتل 14 شخصًا، بينهم سبعة من عناصر الأمن، في حين أُصيب آخرون بجروح متفاوتة، فيما لا تزال الاشتباكات متقطعة رغم محاولات التهدئة. وفي خلفية المشهد، تبرز أصابع إسرائيلية تدعم ميليشيات درزية تسعى لتنفيذ أجندة التقسيم، بحسب مراقبين ومصادر استخباراتية.

اشتباكات مسلحة وإساءة دينية وتوتر متصاعد

انطلقت شرارة التوتر من حي جرمانا جنوب دمشق، بعد انتشار تسجيل صوتي يتضمن إساءة بالغة للنبي محمد ﷺ، الأمر الذي فجّر غضبًا شعبيًا داخل المدينة، التي تسكنها أغلبية مختلطة من الدروز والمكونات الأخرى. وتقول وزارة الداخلية السورية إن التسجيل وما تبعه من “تحريض طائفي وخطاب كراهية عبر منصات التواصل” كان الدافع الرئيسي للاشتباكات.

في هذا السياق، أعلنت الوزارة أن مسلحين من داخل جرمانا وآخرين من خارجها، شاركوا في الهجمات، ما أدى إلى مقتل عناصر من الأمن وإصابة آخرين، إلى جانب خسائر مدنية.

بالتوازي، اندلعت اشتباكات مشابهة في أشرفية صحنايا، حيث هاجمت مجموعة مسلحة حاجزًا للأمن العام، ما أسفر عن إصابة ثلاثة من أفراده، قبل أن تنتشر المجموعات المسلحة بين الأراضي الزراعية وتستهدف آليات مدنية وعسكرية. وبحسب الوكالة الرسمية “سانا”، أدى هذا الهجوم إلى مقتل 6 مدنيين وجرح آخرين.

وتفاقمت الأمور رغم توقيع اتفاق تهدئة بين وجهاء الطائفة الدرزية وممثلين عن الحكومة السورية، يقضي بمحاسبة المتورطين وضبط الوضع الأمني، لكن الاتفاق انهار سريعًا بعد ساعات فقط، ما يعكس هشاشة التفاهمات وعمق الاختراق في البنية الاجتماعية.

المرصد السوري لحقوق الإنسان أكد أن حصيلة القتلى بلغت 14، بينهم سبعة من الطائفة الدرزية وسبعة من عناصر الأمن والقوات الرديفة، مشيرًا إلى أن الاشتباكات استخدمت فيها أسلحة متوسطة وثقيلة، وسط تحليق لمروحيات الجيش فوق المنطقة.

الخلفيات: دور الميليشيات الدرزية المدعومة من إسرائيل

يطرح هذا التصعيد أسئلة حرجة حول دور بعض الميليشيات الدرزية التي تتلقى دعماً سريًا من الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا تلك التي تنشط في جبل الشيخ ومنطقة القنيطرة جنوب سوريا، والتي سُجل لها تواصل سابق مع تل أبيب بحجة “الدفاع عن الطائفة”.

وتتهم مصادر أمنية سورية هذه المجموعات بمحاولة إثارة الفوضى والفتنة الطائفية داخل مناطق مختلطة مثل جرمانا وصحنايا، في إطار تنفيذ أجندة إسرائيلية قديمة تستهدف تفكيك النسيج السوري عبر صراعات داخلية. ويرى مراقبون أن دعم الاحتلال لبعض الزعامات الدينية والميدانية الدرزية يأتي في إطار استراتيجية “الحزام الآمن”، التي تحاول إسرائيل عبرها خلق كيانات طائفية متصارعة حول حدودها، بهدف تحويل سوريا إلى دولة فاشلة مقسّمة.

الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، أبدى موقفًا وطنيًا واضحًا في خطابه الأخير، واصفًا ما جرى بـ”الاعتداء الإرهابي المقيت”، محذرًا من الانجرار وراء الفتنة الطائفية. وقال الهجري إن الشعب السوري لا يزال تحت قبضة فكر الإقصاء، مطالبًا ببناء دولة مواطنة وقانون وعدالة انتقالية، في انتقاد صريح لأداء الدولة وممارسات بعض الأجنحة الأمنية.

لكن خطابه لم يمنع بعض الزعامات المحلية التي ترتبط بعلاقات خفية مع الخارج، من الاستمرار في تأجيج الميدان.

هل سوريا على شفا فتنة جديدة؟

الاشتباكات في جرمانا وصحنايا ليست فقط اضطرابًا أمنيًا محدودًا، بل مؤشر خطير على هشاشة الوضع السوري، واحتمالية انفجار صراع داخلي طائفي جديد، خاصة إذا استمرت تدخلات الأطراف الخارجية.

ووسط استمرار الضغوط المعيشية والتفكك المؤسساتي، تجد الميليشيات المدعومة من الاحتلال فرصتها للتمدد تحت شعارات طائفية أو حقوقية، فيما يعاني الشعب السوري من غياب الدولة المدنية العادلة، وتكريس منطق الأمن والعنف بدلًا من الحلول السياسية والاجتماعية.

ويبقى السؤال: هل ستتحرك الدولة السورية بجدية لحماية نسيجها الاجتماعي وكشف الجهات الداعمة للمسلحين؟ أم أن المشهد سيتكرر في مدن جديدة ضمن مسلسل تدمير ما تبقى من سوريا؟

اقرأ أيضًا : علم سوريا الجديد يرفرف في الأمم المتحدة.. لحظة تتويج الشعب الثائر