أعاد الإفراج الأميركي الواسع عن “ملفات إبستين” فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب شبكة العلاقات الدولية التي تكشفت، بل لأن رسائل بريد إلكتروني نسبت إلى رجل الأعمال المدان جيفري إبستين تضمنت تكهّنات مباشرة حول جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.

الرسائل، التي تبادلها إبستين مع وزير الإعلام الكويتي الأسبق أنس الرشيد، لم تتعامل مع الجريمة بوصفها “حادثة معزولة”، بل ألمحت إلى أنها أكبر من ذلك، وطرحت فرضية صادمة: احتمال تورّط محمد بن زايد في استدراج محمد بن سلمان إلى فخ سياسي وأمني انتهى بكارثة خاشقجي.

فرضية التوريط

تكمن خطورة هذه الرسائل في أنها لا تتهم مباشرة بقدر ما تكشف منطقًا إماراتيًا متكررًا في إدارة الصراعات: الدفع بالحلفاء إلى واجهة الأزمات، ثم توظيف النتائج للضغط والابتزاز. وفق هذا المنطق، يصبح اغتيال خاشقجي لحظة مفصلية استُثمرت لإحكام السيطرة على القرار السعودي، لا سيما في مرحلة كان فيها ولي العهد السعودي يرسّخ سلطته ويبحث عن مظلة إقليمية.

الحديث عن “تورّط عبر التوريط” ينسجم مع سجل إماراتي معروف في ملفات اليمن وليبيا والسودان، حيث جرى تمكين أطراف محلية ثم تركها تواجه العزلة والعقوبات، بينما حافظت أبوظبي على هامش إنكار واسع.

شبكة النفوذ

الدفعة الجديدة من الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية، والتي تضم أكثر من ثلاثة ملايين صفحة وآلاف المقاطع والصور، لا تكتفي بتسليط الضوء على تكهنات إبستين السياسية، بل تكشف شبكة علاقاته مع نخبة السياسة والمال في الولايات المتحدة.

تظهر الرسائل زيارات واتصالات مع شخصيات وازنة، من بينها وزير التجارة الأميركي الحالي هوارد لوتنيك، وتناقضات بين روايات علنية سابقة ووقائع مراسلات خاصة. هذه الشبكة، في حد ذاتها، توضح كيف كان إبستين وسيطًا غير رسمي، يلتقط الأسرار، ويعيد تدويرها في دوائر النفوذ.

الإمارات والابتزاز

في هذا السياق، تبرز الإمارات كطرف لا يمكن فصله عن مناخ الابتزاز السياسي الإقليمي. فمنذ سنوات، تعتمد أبوظبي على أدوات ناعمة وخشنة: علاقات عامة، تمويل جماعات ضغط، وملفات حساسة تُستخدم عند الحاجة.

رسائل إبستين، حتى وإن كانت “تكهّنات”، تتقاطع مع نمط إماراتي ثابت: صناعة الأزمات ثم الاستثمار فيها. اغتيال خاشقجي تحوّل إلى ورقة ضغط دولية على الرياض، بينما خرجت أبوظبي بأقل الخسائر، بل واستثمرت الحدث لتعزيز دورها كشريك “مستقر” للغرب.

واشنطن والملفات

اللافت أن الإفراج عن الملفات جاء في ظل إدارة وعدت بالشفافية الكاملة، ثم ترددت طويلًا. الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفى علمه بجرائم إبستين، لكن اسمه ورد مئات المرات في الوثائق المنشورة، وإن كان معظمها ضمن قصاصات إعلامية.

هذا التردد الأميركي في الحسم يعكس خشية أعمق: فالملفات لا تدين أفرادًا فحسب، بل تكشف تداخل المال بالسياسة وبالسياسة الخارجية، بما في ذلك علاقات واشنطن بحلفائها في الخليج.

صورة إقليمية

من زاوية أوسع، تفضح هذه الرسائل كيف تُدار المنطقة عبر صفقات خلف الأبواب المغلقة. اغتيال خاشقجي لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل محطة أعادت رسم توازنات داخل الخليج. السعودية دفعت الثمن الأكبر، بينما واصلت الإمارات تمددها الإقليمي، مستندة إلى خطاب “محاربة التطرف” وشبكة علاقات متينة مع دوائر القرار الغربي.

أسئلة مفتوحة

هل كانت رسائل إبستين مجرد ثرثرة رجل اعتاد المبالغة؟ أم أنها تعكس معرفة بحسابات خفية بين عواصم الخليج؟ المؤكد أن الإفراج عن هذه الوثائق لا يغلق الملف، بل يوسّعه.

ففي منطقة تحكمها الأسرار، يصبح الصمت جزءًا من الجريمة، وتتحول “الفرضيات” إلى مؤشرات على نمط إجرامي سياسي تتقنه أبوظبي: التوريط، ثم الابتزاز، ثم الإفلات من المساءلة. هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها.

اقرأ أيضًا : مجزرة عائلة كاملة في غزة..غارات الفجر تكشف غدر الاحتلال