في شهادة صادمة تكشف حجم الكارثة الإنسانية في غرب السودان، أعلنت الأمم المتحدة أن مدينة الفاشر باتت شبه خالية من سكانها، عقب سيطرة ميليشيا قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، في مشهد يعكس نموذجًا مكتمل الأركان لـ«التطهير القسري» الذي ترعاه حروب الوكالة. وجاءت هذه الإفادة على لسان مسؤولة أممية رفيعة نقلتها رويترز، لتضع المجتمع الدولي أمام حقيقة دامغة: ما جرى في الفاشر ليس معركة عسكرية، بل جريمة جماعية مستمرة.

مدينة بلا بشر

قالت دينيس براون، منسقة الأمم المتحدة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان، إن فرق الإغاثة التي دخلت الفاشر لأول مرة منذ سيطرة الدعم السريع وجدت المدينة «شبه خالية»، ولم ترَ سوى عدد محدود من الأشخاص يختبئون داخل مبانٍ مهجورة أو تحت أغطية بلاستيكية بدائية. وأضافت أن آثار التعب والخوف والفقد كانت واضحة على وجوه من تبقى، في صورة تلخص مأساة مدينة دُفعت إلى حافة الإبادة البطيئة.

نزوح جماعي ومصير مجهول

وبحسب تقديرات أممية، فرّ أكثر من 100 ألف شخص من الفاشر منذ أواخر أكتوبر، بعد حصار خانق استمر 18 شهرًا وانتهى بإحكام سيطرة الدعم السريع على المدينة. ناجون تحدّثوا عن قتل جماعي بدوافع عرقية، واعتقالات واسعة، واختفاء قسري، فيما ظل مصير أعداد كبيرة من السكان مجهولًا داخل المدينة ومحيطها. هذه الشهادات لا تنفصل عن سجل طويل لجرائم الميليشيا نفسها في دارفور، والتي تعمل منذ سنوات كأداة عنف خارج أي إطار قانوني.

«مسرح جريمة» لا مدينة

وصفت براون الفاشر صراحة بأنها «مسرح جريمة»، مؤكدة أن ما شاهدته الفرق الأممية خلال زيارة استمرت ساعات قليلة لا يترك مجالًا للشك في حجم الانتهاكات. ورغم محاولات الدعم السريع إظهار المدينة وكأنها «عادت إلى طبيعتها»، فإن الوقائع الميدانية، من شحّ السكان إلى انعدام الخدمات، فضحت زيف هذه الرواية. سوق صغيرة تعمل بسلع محدودة، معظمها خضراوات محلية، ومستشفى بلا إمدادات… هذه ليست حياة، بل بقاياها.

مستشفى المذبحة

داخل المستشفى السعودي، الذي قالت منظمة الصحة العالمية إنه كان موقع مذبحة قُتل فيها نحو 460 شخصًا، رُصد طاقم طبي بلا أي إمدادات. وجود الطاقم دون أدوات علاج لا يعني سوى شيء واحد: محاولة إبقاء المكان شاهدًا صامتًا على الجريمة، لا موقعًا للإنقاذ. صور الأقمار الصناعية التي حللها مختبر ييل للأبحاث الإنسانية، وأظهرت مؤشرات على إزالة جثث منتصف ديسمبر، تعزز هذا الاستنتاج الخطير.

قرى أُفرغت عن آخرها

لم تقتصر الكارثة على الفاشر وحدها. براون أشارت إلى أن القرى المحيطة بدت خالية إلى حد كبير، في نمط متكرر من تفريغ المناطق من سكانها. هذا التمدد العنيف مكّن الدعم السريع من ترسيخ سيطرته على دارفور، ضمن حرب مستمرة منذ أبريل 2023 مع الجيش السوداني. لكن توصيفها كـ«حرب داخلية» يغفل الحقيقة الأوسع: إنها حرب بالوكالة تُدار بأدوات محلية وتمويل خارجي.

الإمارات… الراعي الغائب الحاضر

لا يمكن قراءة ما جرى في الفاشر بمعزل عن الدور الإماراتي. فميليشيا الدعم السريع لم تتحول إلى قوة إقليمية في دارفور من فراغ، بل عبر تسليح وتمويل ودعم سياسي وفّرت لها القدرة على الحصار والتجويع والقتل. هذا الدعم، الذي يتقاطع مع مصالح السيطرة على الممرات والموارد، حوّل دارفور إلى ساحة اختبار لسياسات الفوضى المُدارة. ومع كل تقرير أممي جديد، تتعزز القناعة بأن أبوظبي ليست متفرجًا، بل طرفًا مسؤولًا عن النتائج.

قلق أممي… وعجز دولي

قالت براون إن هدف الزيارة كان تقييم إمكانية الوصول الآمن وإدخال إمدادات أساسية، لكنها أقرت بقلق بالغ على المصابين والمحتجزين الذين لم تتمكن الفرق من رؤيتهم. وأوضحت أن الزيارات اللاحقة ستركز على المياه والصرف الصحي، في اعتراف ضمني بأن الحد الأدنى من مقومات البقاء غير متوفر. هذا القلق يقابله عجز دولي مزمن عن فرض حماية للمدنيين أو محاسبة الجناة.

الخلاصة

ما كشفته الأمم المتحدة عن الفاشر ليس مجرد تقرير إنساني، بل لائحة اتهام سياسية ضد ميليشيا الدعم السريع ومن يقف خلفها. مدينة أُفرغت من سكانها، قرى محيطة صامتة، مستشفى بلا علاج، وجثث تُزال من المشهد… هذه هي حصيلة ميليشيا الإمارات في دارفور. وبينما يكتفي العالم بالقلق، يستمر النزيف، ويظل السؤال مفتوحًا: متى تتحول الشهادات إلى محاسبة؟

اقرأ أيضا : إجرام الاحتلال يتصاعد: دهس في طولكرم وتنكيل بمسن مبتور القدم في الخليل