في لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، فجّرت تصريحات مستشار الرئاسة اليمنية ثابت الأحمدي نقاشًا واسعًا حول مستقبل الشراكة الهشة داخل معسكر “الشرعية”، وحدود الدور الإماراتي في جنوب اليمن، بعدما اتهم المجلس الانتقالي الجنوبي بتنفيذ أجندات إقليمية على رأسها أبوظبي، وتقديم “خدمة مجانية” لجماعة الحوثي عبر تعميق الانقسام وإشعال صراعات داخلية في المحافظات المحررة.

تصريحات الأحمدي جاءت في سياق تصعيد غير مسبوق، عقب قرارات حاسمة اتخذها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، شملت إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، والمطالبة بخروج القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وفرض حالة طوارئ وحظر جوي وبري مؤقت على بعض الموانئ والمنافذ، في خطوة عُدّت بمثابة إعلان قطيعة سياسية وأمنية مع سلوك أبوظبي ووكلائها المحليين.

“سلوك مليشياوي” وفرض أمر واقع بالقوة

وفي حديثه، وصف الأحمدي تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي بأنها “سلوك مليشياوي” لا يمت بصلة لمشروع الدولة ولا للقضية الجنوبية، مؤكدًا أن الشرعية منحت الانتقالي فرصًا متكررة للحوار والتراجع عن التصعيد خلال الأشهر الماضية، غير أن تلك المبادرات قوبلت بإصرار على فرض أمر واقع بالقوة في محافظتي حضرموت والمهرة، عبر السلاح والتهديد وليس عبر التوافق السياسي.

وأوضح أن ما يجري في المحافظات الشرقية لا يمكن فصله عن مشروع تفكيك الدولة، معتبرًا أن الانتقالي لا يمثل أبناء الجنوب بقدر ما يمثل أداة إقليمية لتكريس واقع انفصالي يخدم مصالح خارجية، ويقوّض أي إمكانية لبناء دولة يمنية موحدة قادرة على مواجهة التحديات.

قرارات العليمي.. استناد إلى الشرعية والشارع

وأكد الأحمدي أن قرارات العليمي لم تكن انفعالية أو فردية، بل جاءت بعد نقاشات موسعة داخل مجلس الدفاع الأعلى والحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، واستندت إلى الشرعية الدستورية والمرجعيات السياسية، فضلًا عن رفض شعبي واسع في حضرموت والمهرة لما وصفه بـ”الهيمنة المسلحة” لقوات الانتقالي.

وأشار إلى أن حالة “الغليان الشعبي” في المحافظات الشرقية كانت أحد العوامل الحاسمة في اتخاذ قرار الحسم، في ظل مخاوف حقيقية من انزلاق الأوضاع نحو سيناريو الفوضى الشاملة، شبيه بما حدث في مناطق أخرى خضعت لسيطرة المليشيات.

اعتراض داخل مجلس القيادة.. تضخيم إعلامي

وفيما يتعلق بالاعتراض الصادر عن أربعة أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي على قرارات العليمي، قلّل الأحمدي من أهمية هذا الموقف، معتبرًا أن الرافض لا يمثل سوى “مكون واحد” داخل المجلس، مقابل عشرات القوى والمكونات السياسية التي أعلنت دعمها للإجراءات الأخيرة.

وأضاف أن غالبية القوى الوطنية، إلى جانب التحالف العربي بقيادة السعودية، تقف خلف هذه الخطوات باعتبارها ضرورة لحماية الدولة ومنع انزلاق المحافظات المحررة إلى مربع الصراع الداخلي.

انتهاكات موثقة ودور إماراتي مريب

وتوقف الأحمدي عند ما وصفه بـ”الانتهاكات الجسيمة” التي ارتكبتها قوات المجلس الانتقالي، من مصادرة أموال عامة وخاصة، واعتداءات على مدنيين، وترويع للسكان، مؤكدًا أن منظمات حقوقية وثّقت تلك الانتهاكات، وأن هناك ملفًا قانونيًا متكاملًا لمحاسبة المتورطين.

وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان تحالف دعم الشرعية تنفيذ ضربة جوية محدودة في ميناء المكلا، بعد رصد سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة محملتين بأسلحة لدعم قوات الانتقالي، في مؤشر خطير على استمرار الدور الإماراتي في عسكرة الصراع وتمزيق النسيج اليمني، بدلًا من دعم مسار الاستقرار.

خدمة مجانية للحوثي واختراق قديم

وحذّر الأحمدي من أن تصعيد الانتقالي في هذا التوقيت يمثل “خدمة مجانية” للحوثيين، الذين يستفيدون من أي صراع داخل معسكر الشرعية لإعادة ترتيب صفوفهم وتعزيز نفوذهم. وكشف عن وجود اختراق حوثي لبعض عناصر الانتقالي منذ سنوات، معتبرًا أن التشابه في السلوك بين الطرفين – من حيث فرض السيطرة بالقوة وشق الصف الوطني – لم يعد خافيًا.

باب العودة مشروط بإنهاء السلوك المليشياوي

ورغم لهجة التصعيد، شدد مستشار الرئاسة على أن باب العودة ما زال مفتوحًا أمام المجلس الانتقالي، شريطة التخلي عن السلاح، والالتزام بالشرعية الدستورية، ودمج التشكيلات المسلحة في وزارتي الدفاع والداخلية، بما يحفظ وحدة الصف في مواجهة “العدو المشترك”.

وختم الأحمدي بالتأكيد أن توجيهات العليمي لقوات “درع الوطن” بالانتشار في حضرموت والمهرة تعكس انتقال المرحلة من السياسة إلى حماية الدولة بالقانون والقوة الشرعية، مشددًا على أن المعركة المقبلة ليست فقط عسكرية، بل معركة إرادة شعبية ضد مشاريع التقسيم والوصاية الإقليمية التي تقودها الإمارات على حساب وحدة اليمن ومستقبله.

اقرأ أيضًا : الكنيست يشرعن الحصار: قطع المياه والكهرباء عن الأونروا كأداة حرب جماعية