أعلن ما يُسمّى بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي”، المدعوم مباشرة من دولة الإمارات، بدء عملية عسكرية جديدة في محافظة حضرموت شرقي اليمن، في خطوة تعكس تصعيدًا خطيرًا ضمن مساعي الميليشيا الانفصالية لإحكام سيطرتها الكاملة على واحدة من أهم المحافظات اليمنية من حيث الموقع الجغرافي والثروات النفطية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المحافظة إلى صراع قبلي–عسكري واسع.
وجاء الإعلان عبر قناة “عدن المستقلة” الناطقة باسم المجلس، التي بثت الثلاثاء مقطعًا مصورًا لقائد لواء بارشيد التابع للميليشيا، عبدالدائم الشعيبي، تحدث فيه عن إطلاق عملية عسكرية تهدف إلى “تمشيط الأودية” في شمال حضرموت، وصولًا إلى هضبة حضرموت، التي تُعد معقلًا رئيسيًا لحلف قبائل حضرموت، أحد أبرز التكتلات القبلية المناوئة للمجلس الانتقالي والنفوذ الإماراتي في المحافظة.

تمدد عسكري تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”
وبرر الشعيبي العملية بذريعة “ملاحقة عناصر إرهابية”، معلنًا تنفيذ عمليات تمشيط في وادي سر بمديرية القطن، وإغلاق طرق فرعية قال إن “مسلحين” يستخدمونها، إضافة إلى استحداث نقاط عسكرية جديدة لمنع ما وصفه بـ”التسلل”. غير أن هذه الرواية، التي دأب المجلس الانتقالي على تكرارها في أبين وشبوة وعدن، تُقابل بتشكيك واسع من قِبل القوى المحلية، التي ترى فيها غطاءً لتوسيع النفوذ بالقوة وفرض أمر واقع سياسي وعسكري يخدم مشروع الانفصال.
وتأتي هذه العملية بعد أيام قليلة من إطلاق المجلس عملية أخرى في محافظة أبين تحت اسم “الحسم”، قال إنها تستهدف تنظيم القاعدة، في وقت تشير فيه تقارير محلية إلى أن تلك العمليات غالبًا ما تتزامن مع إعادة انتشار للميليشيات المدعومة إماراتيًا في مناطق استراتيجية، بعيدًا عن أي نتائج حقيقية في ملف مكافحة الإرهاب.
حضرموت… ساحة صراع النفوذ
وتحمل حضرموت أهمية استثنائية في الحسابات الإقليمية، إذ تضم أكبر احتياطي نفطي في اليمن، فضلًا عن امتدادها الجغرافي الواسع ومنافذها البرية والبحرية القريبة من سلطنة عمان. ومنذ سنوات، تسعى الإمارات إلى تثبيت نفوذها في المحافظة عبر دعم تشكيلات عسكرية موالية لها، يأتي في مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، في إطار مشروع أوسع لإعادة هندسة المشهد الجنوبي بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية.
ويرى مراقبون أن العملية الجديدة ليست سوى حلقة في سلسلة خطوات مدروسة تهدف إلى تفكيك التوازنات القبلية في حضرموت، وإضعاف حلف قبائل حضرموت، الذي يرفض تحويل المحافظة إلى ساحة نفوذ إماراتي أو ضمها قسرًا إلى مشروع الانفصال الذي يقوده المجلس الانتقالي.
اتهامات بالاعتقال والترهيب
في المقابل، وجّه حلف قبائل حضرموت اتهامات مباشرة لقوات حماية الشركات النفطية، بقيادة العميد أحمد المعاري، وبمشاركة قوات “الدعم الأمني” التابعة للمجلس الانتقالي، بتنفيذ حملات اختطاف واعتقال بحق مواطنين على الطرقات وفي بعض المناطق الريفية.
وقال الحلف في بيان إن هذه القوات “تلاحق كل من يساند مشروع حضرموت، وتقوم بتخويفهم وإرهابهم واقتيادهم إلى أماكن مجهولة”، معتبرًا أن ما يجري يمثل محاولة لكسر الإرادة المحلية بالقوة، وفرض واقع أمني جديد يخدم أجندات خارجية.
وحذّر التكتل القبلي، الذي تأسس عام 2013، من أن استمرار هذه السياسات “ينذر بانفجار الوضع وجرّ حضرموت إلى صراع واسع يهدد أمنها واستقرارها”، محمّلًا المجلس الانتقالي والداعمين له المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد قادم.
سيطرة بالقوة وتوسّع مريب
وكانت قوات المجلس الانتقالي قد سيطرت مطلع ديسمبر الجاري على مدينة المكلا وأجزاء واسعة من حضرموت، عقب معارك مع قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للجيش اليمني، ومع حلف قبائل حضرموت. وبعد أيام فقط، وسّعت الميليشيا نفوذها نحو محافظة المهرة الحدودية مع سلطنة عمان، دون مواجهات تُذكر، في مشهد عزز الشكوك حول وجود ترتيبات إقليمية تسهّل هذا التمدد.
وتتعالى في المهرة وحضرموت أصوات رافضة لوجود قوات الانتقالي، معتبرة إياها ميليشيا مفروضة بالقوة، لا تمثل أبناء المحافظتين، ولا تعبّر عن تطلعاتهم، بل تنفذ أجندة إماراتية تسعى للسيطرة على الموانئ والمنافذ البرية والبحرية، وتأمين خطوط نفوذ تمتد من عدن إلى بحر العرب.
مستقبل مفتوح على التصعيد
وفي ظل غياب دور فاعل للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وصمت إقليمي ودولي لافت، تبدو حضرموت اليوم أمام مفترق طرق خطير. فإما أن تنجح القوى المحلية في احتواء التصعيد، أو تنزلق المحافظة إلى صراع جديد، قد يكون أكثر تعقيدًا من سابقاته، نظرًا لتداخل البعد القبلي مع الأجندات الإقليمية.
وبينما يواصل المجلس الانتقالي تقديم عملياته باعتبارها “جهودًا أمنية”، يرى كثيرون أن الواقع على الأرض يشير إلى مشروع ميليشياوي مدعوم إماراتيًا، يسعى لإعادة رسم خريطة الجنوب بالقوة، حتى لو كان الثمن زعزعة استقرار حضرموت، إحدى آخر المحافظات التي ظلت بعيدة نسبيًا عن أتون الحرب.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتخفّى بالعمل الإنساني: إسرائيلي يحتال بمعاناة أطفال السرطان على متبرعين حول العالم