في تصعيد جديد يعكس تحوّل الحرب السودانية إلى نمط استنزاف شامل يستهدف المدنيين والبنى الإدارية، قُتل 27 شخصًا وأُصيب 13 آخرون، جراء هجوم بطائرة مسيّرة نفذته ميليشيا الدعم السريع على مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار جنوب شرقي السودان.
الهجوم، الذي وقع في توقيت سياسي وعسكري بالغ الحساسية، لم يكن معزولًا عن سياق أوسع من التصعيد المتزامن مع عودة الحكومة إلى الخرطوم، ولا عن شبكة الدعم الإقليمي التي تتهم أطراف سودانية الإمارات بالوقوف خلفها.

ضربة دقيقة ورسالة سياسية
وبحسب مصادر عسكرية سودانية، استهدفت المسيّرة طواقم حراسة ومرافقين لقيادات عسكرية من ولايات مختلفة، أثناء اجتماع رسمي داخل المدينة. وأكد الناطق باسم حكومة سنار أن الجيش تعامل مع المسيّرة عبر المضادات الأرضية، إلا أن القصف خلّف خسائر بشرية بين المدنيين، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة “الهدوء النسبي” الذي شهدته الولاية منذ أواخر 2024 بعد استعادة الجيش السيطرة على مدن رئيسية.
اللافت أن الهجوم كاد يطال حاكم ولاية النيل الأبيض، قمر الدين فضل المولى، الذي نجا بينما قُتل اثنان من مرافقيه، ما عزز الانطباع بأن العملية تحمل طابعًا سياسيًا يتجاوز كونها عملاً عسكريًا تكتيكيًا.
اعتراف ضمني وتلويح بالتصعيد
في موازاة ذلك، خرج مستشار قائد الدعم السريع الباشا طبيق بتصريحات اعتُبرت بمثابة اعتراف سياسي بالهجوم، واصفًا ما جرى داخل قيادة الفرقة 17 في سنجة بأنه “رسالة مباشرة” إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وقادة الجيش، متوعدًا بأن “القادم أشد وقعًا”. هذه اللغة التصعيدية تُظهر انتقال الميليشيا إلى استراتيجية الردع النفسي، بالتوازي مع استخدام المسيّرات كسلاح ضغط في العمق.
سنجة… عقدة جغرافية مستهدفة
تقع سنجة على محور حيوي يربط شرق السودان بوسطه، وعلى مسافة تقارب 300 كيلومتر جنوب شرق الخرطوم، ما يجعل استهدافها محاولة لخلخلة خطوط الإمداد وربك المشهد الأمني في مناطق يُفترض أنها مستقرة. ويأتي ذلك غداة إعلان الحكومة عودتها إلى العاصمة بعد نحو ثلاث سنوات من اتخاذ بورت سودان مقرًا مؤقتًا، وهو ما يضفي على الضربة بُعدًا رمزيًا ورسائليًا واضحًا.
دارفور تشتعل والنزوح يتفاقم
بالتزامن، اتهمت القوة المشتركة للحركات المتحالفة مع الجيش الدعم السريع بارتكاب أعمال “إجرامية” في بلدتي جرجيرة ومستورة بولاية شمال دارفور، أسفرت عن مقتل 19 مدنيًا. وأكدت تصديها لهجوم واسع على جرجيرة، التي تُعد من آخر معاقل الجيش في الإقليم. كما نعت حركة العدل والمساواة ستة من قادتها وجنودها قُتلوا في المعارك.
وفي ظل هذا المشهد الدموي، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 8 آلاف شخص في يوم واحد من محلية كرنوي، بعضهم عبر الحدود إلى تشاد، مؤكدة أن الوضع في شمال دارفور “متوتر ومتقلب”، بما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية.
الجيش يعلن ضربات واسعة
من جانبه، أعلن الجيش السوداني مقتل وإصابة مئات من عناصر ميليشيا الدعم السريع وتدمير عشرات الآليات في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق، مؤكدًا استمرار استهداف التجمعات والتحركات خلال الساعات الـ72 الماضية. وبينما تسيطر الميليشيا على معظم ولايات دارفور، يحتفظ الجيش بالسيطرة على 13 ولاية، بينها الخرطوم.
دعم خارجي يطيل أمد الحرب
في خلفية هذه التطورات، تتجدد الاتهامات الموجهة للإمارات بتقديم دعم سياسي ولوجستي ومالي لميليشيا الدعم السريع، ما يُسهم—وفق مصادر سودانية—في إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات الحل.
ومع تصاعد استخدام المسيّرات واستهداف المدن الآمنة نسبيًا، يبدو أن الحرب تدخل مرحلة أخطر، حيث تختلط الرسائل السياسية بالضربات الجوية، ويدفع المدنيون الثمن الأكبر في بلد أنهكته الانقسامات والتدخلات الخارجية.
اقرأ أيضًا : وزير يمني: تفكيك ميليشيا الانتقالي ودمج التشكيلات… استعادة الدولة وإسقاط المشروع الإماراتي