في خطوة مثيرة للجدل، حصلت شركة “ناس القابضة” الإماراتية على موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية لتنفيذ عرض شراء إجباري بغرض الاستحواذ على 90% من أسهم شركة “سماد مصر”، عبر شراء نحو 5.2 مليون سهم بسعر 95 جنيهًا للسهم الواحد.
الصفقة، التي قُدرت بنحو نصف مليار جنيه مصري، تأتي في سياق سلسلة متكررة من استحواذات إماراتية وسعودية على قطاعات استراتيجية وحيوية داخل الاقتصاد المصري، وسط صمت رسمي وتجاهل حكومي لمخاوف الشارع حول التفريط في مقدرات البلاد.

ما وراء صفقة “ناس – سماد مصر”؟
شركة “ناس القابضة”، التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها، لا تخفي طموحاتها في التوسع بالقطاع الزراعي والغذائي، وهو ما يتسق مع أهداف أبوظبي لتأمين سلاسل التوريد الغذائية في ظل اضطرابات الأسواق العالمية.
إلا أن دخولها إلى السوق المصري بهذا الشكل يعيد إلى الأذهان تساؤلات حول السيادة الاقتصادية وحق الشعب المصري في امتلاك قراره التنموي.
شركة “سماد مصر”، ورغم أنها ليست من كبرى الشركات المدرجة في البورصة المصرية، إلا أنها تملك خطوط إنتاج متطورة في تصنيع الأسمدة والمخصبات الزراعية، وتلعب دورًا حيويًا في دعم الأمن الغذائي المصري، خاصة في ظل أزمة الدولار الحالية وارتفاع أسعار المدخلات المستوردة.
ومن هنا، فإن تمكين شركة أجنبية من الاستحواذ على النسبة الأكبر من أسهمها يمثل تهديدًا استراتيجيًا لقدرة الدولة على التحكم في قطاع بالغ الأهمية.
الإمارات واستراتيجية التوسع في الاقتصاد المصري
تأتي هذه الصفقة ضمن سلسلة استحواذات تقودها الإمارات – عبر صندوق أبوظبي السيادي وشركات تابعة – على قطاعات متعددة في مصر، من الموانئ إلى الطاقة، ومن البنية التحتية إلى الشركات الزراعية والغذائية.
ويبدو أن الهدف أبعد من مجرد تحقيق أرباح مالية، إذ تسعى أبوظبي لبسط نفوذها الاقتصادي بما يُمكّنها من فرض أجنداتها السياسية والاقتصادية على حكومة القاهرة.
خلال العامين الماضيين، استحوذت الشركات الإماراتية على حصص ضخمة في شركات مثل “موانئ أبوظبي” في ميناء العين السخنة، و”القابضة ADQ” في بنك CIB، ومجموعة من المشروعات العقارية في العاصمة الإدارية الجديدة.
والأخطر من ذلك هو تكرار النمط ذاته: شراء الأصول المصرية في فترات الأزمات، وبأسعار تقل عن قيمتها الفعلية، فيما النظام المصري يتعامل مع هذه الصفقات باعتبارها “إنجازات استثمارية”، في حين يراها خبراء الاقتصاد والسياسة تنازلًا خطيرًا عن أدوات الدولة السيادية.
السيسي.. حارس على بوابة التفريط
في ظل هذه الصفقة الجديدة، لا يمكن فصل ما يحدث عن سياسات عبد الفتاح السيسي الاقتصادية التي تقوم على بيع الأصول العامة من أجل الحصول على عملات صعبة تُمكّنه من الاستمرار في دفع فوائد ديونه الخارجية التي تجاوزت 165 مليار دولار.
في كل مرة تتعرض فيها مصر لأزمة مالية، يكون الحل السهل هو “التسييل” – أي بيع الشركات والموانئ والمصانع للمستثمرين الأجانب، غالبًا من الخليج، تحت شعار جذب الاستثمار.
لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه السياسات لا تعني سوى فقدان المصريين لسيادتهم الاقتصادية، وتقويض أي فرصة لبناء اقتصاد وطني مستقل. بدلاً من دعم شركات مصرية أو خلق شراكات تحفظ للدولة حق الإدارة والرقابة، تُمنح السيطرة الكاملة لكيانات أجنبية لا تحركها سوى مصالحها الخاصة.
والمفارقة أن هذه الكيانات ترتبط بتحالفات سياسية تعزز من سطوة الأنظمة الاستبدادية، وتُضعف كل محاولات التغيير الشعبي.
بعبد الفتاح السيسي ليس مجرد رئيس يسعى إلى جذب استثمارات، بل هو واجهة لنظام كامل يرى أن الحل الوحيد لبقاءه هو بيع البلد قطعة قطعة. وبدلاً من محاسبة المسؤولين عن إغراق البلاد في الديون، يجري الترويج لمثل هذه الصفقات بوصفها إنجازًا، بينما الحقيقة أنها نذير خطر على الحاضر والمستقبل.
نحو استعادة القرار المصري
ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو فصل جديد من فصول فقدان الإرادة الوطنية.
وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها الشارع المصري، فإن الأصوات الرافضة لهذه الصفقات تتصاعد، وتدرك أن الحل لا يكمن في المال الخليجي، بل في إصلاح سياسي حقيقي يعيد للشعب حقه في ثرواته وقراره.
إذا استمر هذا المسار، فإن مصر لن تكون فقط رهينة الديون، بل رهينة قرارات تُصنع خارج حدودها، لصالح أنظمة تسعى لترسيخ التبعية وإضعاف أي مشروع نهضوي وطني. وما صفقة “ناس – سماد مصر” سوى جرس إنذار جديد، بأن القادم أخطر إن لم يتحرك المصريون لإنقاذ ما تبقى.
اقرأ أيضًا : مقترح هدنة طويلة.. والسيسي يواصل التماهي مع الرؤية الإسرائيلية