يتوجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى العاصمة الأميركية واشنطن، في زيارة تعدّ الأهم منذ اندلاع حرب غزة، وسط أجواء توتر داخلي وضغوط سياسية وعسكرية غير مسبوقة. وعلى الرغم من كونها الزيارة الثالثة له منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة مجددًا في يناير الماضي، إلا أن هذه المرة تحمل طابعًا مفصليًا، سواء على صعيد مستقبل الحرب أو مصير حكومة نتنياهو نفسها.
تأتي الزيارة بعد أيام من مشاورات متوترة في تل أبيب، شهدت خلافات حادة بين أقطاب الحكومة والقيادة العسكرية بشأن استمرار الحرب من عدمه. وبحسب مصادر إسرائيلية، فقد أبدى نتنياهو في الاجتماعات الأخيرة ميلًا واضحًا لخيار التهدئة، نتيجة الفشل الميداني في غزة من جهة، وتزايد الضغوط الشعبية والسياسية من جهة أخرى، لا سيما من عائلات الجنود الأسرى.
وفي ظل تصاعد الانتقادات من الشركاء المتشددين في حكومته، يبدو أن نتنياهو يرى في زيارة واشنطن فرصة لتغطية تراجعه المحتمل عن شعارات “الحسم العسكري”، عبر ربط أي اتفاق بغطاء أميركي وضمانات أمنية وسياسية واقتصادية. ويأمل أن يمنحه ترامب ما يُسوّقه لاحقًا كـ”نصر سياسي”، يغطي عجزه الميداني في القطاع، خاصة أن المقاومة الفلسطينية لا تزال تبدي ثباتًا لافتًا بعد تسعة أشهر من العدوان.
![]()
ترامب يدخل على خط الوساطة بقوة: هدنة لـ60 يومًا وصفقة تبادل شاملة
وفق ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن ترامب يعتزم طرح خطة جديدة لوقف إطلاق النار في غزة لمدة 60 يومًا، تتضمن تبادلًا للأسرى، وفتح ممرات إنسانية، وبدء مفاوضات طويلة المدى لإنهاء الحرب. الخطة الأميركية، التي بُنيت على جهود وسطاء من مصر وقطر، تسعى أيضًا إلى إطلاق مسار سياسي أوسع، يشمل إعادة تنشيط مسار التطبيع بين الاحتلال ودول عربية برعاية البيت الأبيض.
لكن اللافت في هذه الجولة هو الإصرار الأميركي غير المسبوق على التوصل لاتفاق فعلي، وليس مجرد تفاهمات أولية. فترامب، الذي يدرك أهمية الورقة الإسرائيلية في معادلات انتخابية داخلية، يريد أن يسوّق أي تقدم كإنجاز دبلوماسي يُضاف إلى رصيده. لذلك لم يتردد في إطلاق تحذير مباشر قال فيه: “الوضع لن يتحسن، بل سيزداد سوءًا إذا لم يتحرك الجميع نحو الاتفاق”.
في هذا السياق، كثّف المبعوثون الأميركيون لقاءاتهم مع مسؤولي الاحتلال في الأيام الأخيرة، ونقلوا صيغة تفاهم مفصلة إلى الجانب القطري، في محاولة للضغط على حماس ودفعها لقبول شروط مرنة نسبيًا، تضمن إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين. وفي المقابل، تتعهد واشنطن بتقديم ضمانات لحماس بعدم استئناف الحرب، على الأقل خلال فترة الهدنة، إضافة إلى توسيع دخول المساعدات وإعادة فتح بعض المعابر.
الصفقة العسكرية الموازية: سلاح مقابل وقف الحرب؟
إلى جانب المسار السياسي، ناقش الطرفان الأميركي والإسرائيلي مسودة اتفاق عسكري جديد يتضمن تزويد الاحتلال بأنظمة تسليح متطورة، تشمل ذخائر دقيقة وتقنيات دفاعية هجومية. لكن هذه الصفقة مرهونة هذه المرة –وفق مصادر أميركية– بتوقيع اتفاق هدنة نهائي في غزة، كشرط لتمريرها داخل الكونغرس.
هذا الربط يعكس تحولًا أميركيًا في التعاطي مع “تل أبيب”، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بإرسال الدعم غير المشروط، بل بدأت تربطه بخطوات سياسية على الأرض، خصوصًا في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة للجرائم المرتكبة في غزة.
وفي حين كان نتنياهو في السابق يتجنب الخضوع لهذا النوع من الشروط، تشير التقديرات إلى أنه بات هذه المرة أكثر تقبلًا لفكرة الربط، في محاولة لإنقاذ وضعه السياسي الداخلي، واسترضاء المؤسستين العسكرية والأمنية في آن معًا. فالمعطيات الميدانية تؤكد أن المقاومة الفلسطينية لا تزال قادرة على إلحاق خسائر بالقوات المتوغلة، ما يجعل أي تصعيد جديد مغامرة محفوفة بالخسائر دون ضمانات بالنصر.
ولعل ما يضاعف من حاجة نتنياهو للاتفاق، هو إدراكه أن الجمود الحالي لا يصب في مصلحته، بل يهدد بانهيار حكومته في أي لحظة، وسط تصاعد الغضب الشعبي وانقسامات النخبة الحاكمة.
خاتمة: هل تُرغمه واشنطن والمقاومة على التراجع؟
الزيارة إلى واشنطن هذه المرة ليست بروتوكولية، بل تحمل طابعًا مصيريًا لرئيس وزراء يواجه واحدة من أسوأ الأزمات في مسيرته. فنتنياهو بات محاصرًا بين جبهة داخلية متصدعة، وضغوط أميركية متزايدة، ومقاومة فلسطينية أظهرت قدرة على الصمود والردع.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه البعض في الإعلام الإسرائيلي عن فرصة “ذهبية” لوقف النزيف الأمني والسياسي، يرى آخرون أن نتنياهو يحاول شراء الوقت وتثبيت موقعه في المعادلة الأميركية، دون نية فعلية لوقف الحرب.
لكن المؤكد أن الساعات القادمة ستكون حاسمة، فإما أن يعود نتنياهو باتفاق يُعيد ترتيب الأوراق، أو يخرج بمزيد من التعقيد السياسي، وقد يجد نفسه قريبًا في مواجهة ليس فقط مع المقاومة الفلسطينية، بل مع خصومه داخل الائتلاف وخارجه.
الكرة الآن في ملعب نتنياهو، لكن المقاومة –كما أثبتت الشهور الماضية– هي من ترسم حدود الممكن واللا ممكن، لا في الميدان فقط، بل على طاولة التفاوض أيضًا.
اقرأ أيضًا : تل أبيب تحت الاختراق.. إيران تشعل جبهة التجسس داخل إسرائيل