في خطوة تكشف عن تمسكه بمواصلة الحرب رغم الضغوط الإقليمية والدولية، رفض رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقترحاً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة لمدة خمس سنوات، مقابل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية دفعة واحدة، بحسب ما كشفت مصادر سياسية وإعلامية عبرية، الاثنين.
![]()
رفض للهدنة رغم المكاسب الممكنة
وفقاً لمصدر سياسي إسرائيلي تحدث لوسائل الإعلام العبرية، فإن “بعض الدول العربية طرحت أفكاراً مثل وقف الحرب لمدة خمس سنوات”، إلا أن نتنياهو سارع إلى رفضها بزعم أن “لا أمل في التوصل إلى هدنة مع حماس تسمح لها بمواصلة بناء قدراتها ومهاجمة إسرائيل بكثافة أكبر لاحقاً”.
هذه التصريحات المنسوبة إلى “مصدر سياسي”، والتي تصدر عادة عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه، تفضح بوضوح التوجه الثابت لدى نتنياهو: الاستمرار في الحرب مهما كانت التكاليف، وعدم القبول بأي تسوية قد تُبقي حماس قوية أو تمنح الفلسطينيين فرصة لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.
ورغم أن المقترح المطروح من قبل وفد حركة حماس في محادثات الدوحة والقاهرة كان شاملاً ويتضمن وقف إطلاق نار طويل الأمد، وتبادل شامل للأسرى، وانسحاباً كاملاً لقوات الاحتلال من غزة، ورفعاً للحصار، وإعادة الإعمار، إلا أن تل أبيب رفضت النقاش حوله، متمسكة بمنطق القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية أبعد من مجرد استعادة الأسرى.
نتنياهو.. يهرب إلى الأمام لإنقاذ مستقبله السياسي
رفض نتنياهو هذا العرض يثير تساؤلات كثيرة حول أولوياته الحقيقية. فبينما يتحدث بلغة الأمن القومي تشير الوقائع إلى أن استمرار الحرب يخدم أساساً مصلحة نتنياهو الشخصية في البقاء السياسي، وسط أزمات داخلية متفاقمة.
نتنياهو، الذي يواجه احتجاجات واسعة على طريقة إدارته للحرب على غزة، وضغوطاً قضائية بسبب قضايا فساد، يرى في استمرار المعركة وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية، وإلهاء الشارع الإسرائيلي عن فشله الذريع يوم 7 أكتوبر، عندما اجتاحت المقاومة مستوطنات غلاف غزة وأوقعت خسائر فادحة.
لذلك، فإن أي هدنة طويلة الأمد تعني عملياً نهاية الفرصة الذهبية لنتنياهو لإعادة رسم خريطة السلطة في إسرائيل، وإنقاذ تحالفه الحكومي الهش الذي يعتمد على دعم قوى اليمين المتطرف الداعية لمزيد من التصعيد والحرب.
المفاوضات تراوح مكانها.. والسيسي يتبنى الرواية الإسرائيلية
في ظل هذا التعنت الإسرائيلي، تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين الاحتلال وحماس عبر وسطاء إقليميين ودوليين في كل من القاهرة والدوحة. إلا أن سير هذه المفاوضات يواجه تعقيدات إضافية بسبب تقاطع الأجندات الإقليمية، وخاصة موقف النظام المصري.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يُفترض به أن يكون وسيطاً نزيهاً، تبنى عملياً المطالب الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس.
فبينما تطالب حماس بوقف العدوان ورفع الحصار وإعادة الإعمار دون شروط سياسية مذلة، تصر مصر بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب على أن أي تهدئة يجب أن تتضمن تفكيك القوة العسكرية للمقاومة، بما يحول غزة إلى منطقة منزوعة السلاح.
هذا الموقف المصري الرسمي لا يعبّر فقط عن تبعية سياسية عميقة لتحالفات إقليمية ودولية معادية لثورات الشعوب وحركات التحرر الوطني، بل يعكس أيضاً جبن وخيانة نظام السيسي.
إسرائيل بين حرب طويلة
تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن لدى المقاومة الفلسطينية نحو 59 أسيراً إسرائيلياً في قطاع غزة، بينهم 24 على قيد الحياة، بينما تحتفظ إسرائيل بأكثر من 9900 أسير فلسطيني يتعرضون لشتى أنواع الانتهاكات الحقوقية داخل سجون الاحتلال.
وعلى الرغم من أن صفقة تبادل شاملة كانت ستحقق لإسرائيل هدفاً إنسانياً داخلياً بالغ الأهمية يتمثل في استعادة الأسرى الأحياء، إلا أن حسابات نتنياهو السياسية ترجّح كفة استمرار الحرب على المكاسب الإنسانية أو السياسية.
بلغة أوضح، يفضّل نتنياهو ترك الأسرى في سجون المقاومة والمقامرة بمصيرهم، على أن يوافق على اتفاق قد يُفسَّر داخلياً كهزيمة سياسية وعسكرية أمام حركة حماس.
سيناريوهات قادمة
في ظل هذا المشهد، يبدو أن الحرب على غزة مرشحة للاستمرار، مع ما يعنيه ذلك من كوارث إنسانية متزايدة لسكان القطاع المحاصر، ومن استنزاف طويل الأمد لقدرات إسرائيل الاقتصادية والعسكرية.
ومع تصلب نتنياهو وغياب ضغط دولي حقيقي لفرض حل سياسي شامل، فإن المفاوضات القائمة مرشحة للتعثر، وربما الانهيار بالكامل، ما يجعل المنطقة بأسرها أمام شبح تصعيد أكبر قد يمتد إلى ساحات أخرى مثل جنوب لبنان أو الضفة الغربية.
بينما يبقى الفلسطينيون، وخاصة سكان غزة، هم الضحية الأكبر لتجاذبات المصالح والحسابات السياسية الباردة.
اقرأ أيضًا : كمائن التفاح والشجاعية.. براعة المقاومة تُوقع الاحتلال في فخاخ قاتلة