بقلم / محمود عثمان
في خطوة غير مسبوقة داخل مجلس الشيوخ الأميركي، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أنّ مجموعة من أعضاء المجلس الديمقراطيين قدّموا مشروع قانون يدعو الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الاعتراف بدولة فلسطينية منزوعة السلاح. ورغم أن فرص نجاح المشروع تبدو ضئيلة في ظل سيطرة الجمهوريين على المجلس وغياب الدعم من داخل الحزب الجمهوري، إلا أن هذه المبادرة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز حدود التصويت البرلماني.
خلفيات المشروع: بين السياسة الداخلية والضغط الدولي
يقود المبادرة السيناتور جيف ميركلي عن ولاية أوريغون، وهو أحد الأصوات البارزة في المعسكر الديمقراطي الذي يرى أن استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية يتعارض مع أي مسار جدي للسلام.
ويؤكد ميركلي أن المشروع ليس مجرد ورقة سياسية بل محاولة لإعادة صياغة الموقف الأميركي في وقت يتزايد فيه الضغط الدولي على واشنطن.
ففي الوقت الذي تستعد فيه عدة دول أوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا ومالطا، للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يجد البيت الأبيض نفسه أمام معضلة: هل يواصل الاصطفاف المطلق خلف حكومة الاحتلال، أم يعيد التموضع ليتماشى مع المزاج الدولي المتنامي لصالح الفلسطينيين؟
ترامب وحل الدولتين: رفض مبدئي وحسابات سياسية
رغم أن العديد من الرؤساء الأميركيين، من بيل كلينتون إلى باراك أوباما، أبدوا دعمهم لفكرة الدولة الفلسطينية، فإن دونالد ترامب لم يكن واحدًا منهم. خلال ولايته السابقة، مالت السياسة الأميركية بشكل غير مسبوق لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، بدءًا من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مرورًا بنقل السفارة الأميركية إليها، وصولًا إلى “صفقة القرن” التي تجاهلت المطالب الفلسطينية الجوهرية.
ومن هنا، فإن احتمالية تجاوب ترامب مع هذا المشروع تكاد تكون معدومة، إذ سبق له أن أعلن صراحة أنه لا يؤمن بإمكانية تطبيق حل الدولتين.
بالنسبة له، أي اعتراف بفلسطين سيُعد تنازلاً انتخابياً خطيراً أمام قاعدته الجمهورية الموالية لإسرائيل.
البعد الإنساني والسياسي: غزة في قلب المشهد
لم يقتصر مشروع القانون على المطالبة باعتراف أميركي بدولة فلسطينية، بل تضمن إشارات مباشرة إلى المأساة الإنسانية الجارية في قطاع غزة. فقد شدّد ميركلي وزملاؤه الموقعون على المشروع، ومنهم بيرني ساندرز وكريس فان هولن وتينا سميث، على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، مع دعوة حركة حماس لإلقاء السلاح وإطلاق سراح الأسرى.
هذه اللغة تكشف محاولة لخلق توازن بين الموقف الأخلاقي المتعاطف مع معاناة المدنيين الفلسطينيين وبين الالتزام بالموقف الأميركي التقليدي الداعي إلى “أمن إسرائيل”. إلا أن المشروع، رغم ما يحمله من رسائل، يظل بعيدًا عن الترجمة العملية ما لم يتغير ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ والإدارة الأميركية.
المشهد الدولي: واشنطن في عزلة متزايدة
اليوم تعترف 147 دولة من أصل 193 في الأمم المتحدة بدولة فلسطين. هذا الرقم مرشح للزيادة، خصوصاً مع انضمام قوى أوروبية كبرى. وفي حال تحقق ذلك، ستجد الولايات المتحدة نفسها ضمن أقلية صغيرة ترفض الاعتراف، إلى جانب دولة الاحتلال وبعض حلفائها.
الصين وروسيا اعترفتا بفلسطين منذ عام 1988، والآن أوروبا الغربية تتحرك في الاتجاه نفسه، ما يجعل واشنطن عالقة بين خيارين: إما التمسك بتحالفها التقليدي مع إسرائيل على حساب صورتها الدولية، أو الانفتاح على حل سياسي قد يخفف من عزلة أميركا في ملفات الشرق الأوسط.
الجمعية العامة للأمم المتحدة: عباس حاضر رغم الغياب
يأتي الجدل داخل مجلس الشيوخ في وقت اتخذت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يسمح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلقاء كلمته عبر فيديو مسجّل، بعد أن رفضت واشنطن منحه تأشيرة دخول. وصوّت لصالح القرار 145 عضواً مقابل معارضة 5 وامتناع 6، وهو ما يعكس تعاطفاً دولياً واسعاً مع الفلسطينيين، مقابل تصلب الموقف الأميركي.
هذه الحادثة تسلّط الضوء على تناقض جوهري: بينما تمنع واشنطن عباس من الحضور، يطالب مشرّعوها بإقرار قانون يحث رئيسهم على الاعتراف بدولة فلسطينية. التناقض ذاته يفسّر هشاشة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، حيث تزداد الفجوة بين مؤسسات الحكم المختلفة.
قراءة تحليلية: ما وراء القانون
رغم ضآلة فرص تمرير القانون، إلا أن أهميته تكمن في كونه يعكس تحوّلاً بطيئاً في المزاج السياسي الأميركي. لأول مرة، يظهر في مجلس الشيوخ مشروع قانون يتحدث صراحة عن “الاعتراف بدولة فلسطينية”. هذا بحد ذاته إشارة إلى أن الصوت الداعم لحقوق الفلسطينيين بدأ يجد طريقه إلى المؤسسات التشريعية الأميركية، ولو على استحياء.
في المقابل، يظل الواقع السياسي الداخلي الأميركي حائلاً أمام أي تحوّل جذري. فلو افترضنا جدلاً أن المشروع مرّ من مجلس الشيوخ، فإن ترامب، المعروف بمواقفه المتشددة، لن يوقّعه. وحتى الديمقراطيون المعتدلون قد يترددون في خوض مواجهة مباشرة مع اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن.
خاتمة: خطوة رمزية أم بداية تحوّل؟
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمثل مشروع القانون مجرد خطوة رمزية في سياق الضغوط الدولية، أم أنه بداية لتحول حقيقي في الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية؟ المؤكد أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يتوسع بسرعة، ومعه تتضاءل قدرة واشنطن على الوقوف في مواجهة الإجماع العالمي.
قد لا يغيّر هذا القانون شيئاً على أرض الواقع اليوم، لكنه قد يُسجّل كخطوة أولى في مسار أطول، يفرض على الولايات المتحدة في المستقبل القريب إعادة حساباتها. وفي حال استمر النزيف الإنساني في غزة، وتزايدت عزلة إسرائيل دبلوماسياً، فإن مثل هذه المبادرات ستتحول من مجرد مشاريع هامشية إلى أوراق ضغط سياسية يصعب تجاهلها.
اقرأ أيضًا : بعد خداع ترامب.. هل تنجح السعودية في تعويض الحماية الأمريكية بتعزيز التعاون الدفاعي مع تركيا؟