في مشهد يفضح هشاشة السيادة الإماراتية أمام الإملاءات الإسرائيلية، كشفت وسائل إعلام عبرية عن أزمة دبلوماسية غير معلنة بين أبوظبي وتل أبيب، كان بطلها السفير الإسرائيلي في الإمارات “يوسي شيلي”، الذي تصرف بطريقة وصفت بـ”المهينة وغير اللائقة” داخل حانة ليلية في العاصمة الإماراتية.
ورغم أن الحادثة أثارت استياءً بالغًا لدى الجهات الرسمية الإماراتية، إلا أن الرد جاء على استحياء وبعيدًا عن القنوات العلنية، في إشارة إلى استمرار حالة “الطاعة السياسية” التي باتت تميّز العلاقة بين الطرفين منذ توقيع اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ”اتفاقيات أبراهام” عام 2020.

سفير يتجاوز اللياقة في بلد “مُطبع”
وفقًا لموقع تايمز أوف إسرائيل، نقلًا عن القناة 12 العبرية، فإن السفير الإسرائيلي في أبوظبي، يوسي شيلي، تصرف في وقت سابق “بشكل غير لائق” خلال وجوده في حانة ليلية في إحدى نزهاته الخاصة برفقة أصدقاء. ورغم عدم كشف كل التفاصيل، إلا أن المصادر تحدثت عن تجاوزات “لمعايير الآداب العامة وحدود المساحة الشخصية”، ما أثار امتعاض الحاضرين الإماراتيين، وبلغ حد اعتبار وجود السفير في البلاد أمرًا غير مرحب به.
وبحسب مصدر إماراتي تحدث للقناة العبرية، فإن الحادثة كانت لتؤدي إلى منعه من دخول البلاد مجددًا “لو لم يكن يشغل منصب السفير”. هذا التصريح يعكس بوضوح مدى الانزعاج الرسمي في أبوظبي، وإن جاء عبر وسطاء إعلاميين، حفاظًا على الصورة السياسية الهشة أمام الإسرائيليين.
ورغم أن الحادثة وقعت قبل عدة أشهر، فإن الحديث عنها الآن ربما يعكس صراعًا داخليًا أو ضغوطًا إعلامية إسرائيلية دفعت بتسريبها، مما يجعل الموقف الإماراتي موضع مساءلة شعبية، خصوصًا في ظل غياب أي رد رسمي أو إجراء تأديبي.
صمت إماراتي ونفي إسرائيلي.. من يحكم العلاقة؟
رغم فجاجة تصرف السفير، فإن أبوظبي لم تصدر أي بيان رسمي حول الواقعة، ولم تُبدِ أي اعتراض علني أو تطالب بتغييره. بل على العكس، سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نفي التقارير التي تحدثت عن استدعاء السفير، مؤكدًا أن “العلاقة مع الإمارات مستمرة بشكل طبيعي”، في رسالة واضحة مفادها أن تل أبيب من تقرر مصير سفيرها، وليس الدولة المضيفة.
أما يوسي شيلي نفسه، فلم ينكر الواقعة، واكتفى بتصريح مقتضب برر فيه سلوكه بأنه “كان خلال مناسبة خاصة لا علاقة لها بمنصبه الدبلوماسي”، وكأن حيازة جواز السفر الدبلوماسي تمنح حصانة من التقييم الأخلاقي أو المحاسبة.
هذا التواطؤ في إدارة الأزمة – بين النفي الإسرائيلي والصمت الإماراتي – يؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد تصرف شخصي، بل كاشف لمنظومة كاملة من العلاقات غير المتكافئة، حيث تتعامل إسرائيل مع الإمارات كحديقة خلفية لا كدولة ذات سيادة.
اتفاقيات أبراهام.. سيادة على الورق وخضوع على الأرض
منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” في 2020، بدا المشهد وكأن إسرائيل فتحت بابًا واسعًا للاختراق السياسي والثقافي والاقتصادي في قلب الخليج، مستخدمة الإمارات كبوابة نحو النفوذ الإقليمي. وسرعان ما تحولت أبوظبي إلى ساحة مفتوحة للنشاط الصهيوني، سواء عبر السفارات، أو الوفود الأمنية، أو حتى عبر الفعاليات الاقتصادية التي تستضيف جنرالات ومستوطنين ممن تلطخت أيديهم بدماء الفلسطينيين.
والحادثة الأخيرة تُظهر كيف “يرتع الصهاينة” في أرض الإمارات دون حساب، فحتى عندما يُسيء ممثلهم الدبلوماسي للدولة المضيفة، لا يُستدعى، ولا يُحاسب، ولا يُدان، بل يستمر في منصبه محاطًا ببيانات النفي الرسمية من إسرائيل، والتجاهل المتعمد من السلطات الإماراتية.
ويبدو أن تل أبيب باتت تثق أن أبوظبي لن تجرؤ على تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها التطبيع، ولو تعلق الأمر بإهانة كرامة الدولة أمام شعبها، أو المسّ بصورتها أمام المجتمع الدولي. فالهدف الإسرائيلي الأهم هو ترسيخ فكرة أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، باتت أدوات تنفيذ لا شركاء سياسيين، وأن حكامها – بما فيهم محمد بن زايد – يسيرون وفق إملاءات نتنياهو لا وفق المصالح الوطنية.
عندما تُهان الدول فلا ترد
حادثة يوسي شيلي ليست مجرد “سقطة شخصية”، بل عَرَض واضح لمرض مزمن اسمه “التبعية السياسية”. فالإمارات، التي كانت في ما مضى تتفاخر بدبلوماسيتها، تلتزم الصمت اليوم أمام إهانة مباشرة من دبلوماسي أجنبي. ومَن يراقب تطورات العلاقة بين الجانبين بعد حادثة الحانة يدرك تمامًا أن ميزان القوى قد اختل لصالح الطرف الإسرائيلي، ليس فقط على الورق، بل في الميدان أيضًا.
فإذا كان سفير يرتكب ما يشبه “الفضيحة الأخلاقية” ولا يُعاقب، فماذا يمكن أن ننتظر من علاقة تسمح بتسريب بيانات أمنية، أو اتفاقيات تجارية مشبوهة، أو حضور عسكري واستخباري؟
ما جرى هو دليل آخر على أن نتنياهو لا يرى في محمد بن زايد إلا أداة إقليمية تُنفذ، ولا تعترض. وأن “الصداقة” بين الطرفين قائمة على قاعدة واحدة: السمع والطاعة رغم أنف الجميع.
اقرأ أيضًا : حكومة حميدتي الموازية.. خطوة إماراتية لتقسيم السودان وزرع الفوضى الدائمة