في سابقة خطيرة، نجا وفد حركة المقاومة الإسلامية “حماس” المفاوض من عملية اغتيال إسرائيلية استهدفتهم في العاصمة القطرية الدوحة. هذه العملية، التي وصفتها أوساط عربية ودولية بالعمل الإجرامي، لم تُسفر عن تصفية القيادات المستهدفة، لكنها أودت بحياة عدد من كوادر الحركة والعاملين معها.
وبذلك فتحت تل أبيب بابًا جديدًا من المواجهة، ليس فقط مع الفلسطينيين، بل مع دولة ذات سيادة في قلب الخليج، ما يجعل هذه الحادثة منعطفًا حادًا في مسار الصراع الإقليمي.
وفق ما تسرّب من تفاصيل، فقد استشهد عبد الله عبد الواحد، المرافق الشخصي للقيادي باسم نعيم، إضافة إلى موظفي مكتب الحركة مؤمن حسونة وأحمد المملوك، بينما نجا كل من همام الحية وجهاد لبد من الموت المحقق. هذه الأسماء ليست مجرد أفراد عابرين، بل تمثل عناصر في دائرة العمل التنظيمي والسياسي لحماس، ما يعكس طبيعة الاستهداف الممنهج الذي نفذه الاحتلال الإسرائيلي.

تفاصيل العملية الإسرائيلية: تصعيد غير مسبوق
الجيش الإسرائيلي لم يُخفِ وقوفه وراء العملية، بل تباهى بها عبر بيان مشترك مع جهاز الأمن الداخلي “الشاباك”، معلنًا أنه استهدف “قادة الصف الأول في حماس” باعتبارهم مسؤولين عن إدارة هجوم 7 أكتوبر وما تلاه من مواجهات. البيان ادعى أن العملية جرت باستخدام ذخائر دقيقة لتقليل الأضرار الجانبية، في محاولة لتبرير قصف وقع في قلب منطقة سكنية بالعاصمة القطرية.
التقارير العبرية كشفت أن التخطيط لهذه الضربة استمر عدة أشهر، وتم تسريعها بعد ما اعتبرته تل أبيب “تعنتًا” من جانب حماس في مفاوضات تبادل الأسرى. المراسل العسكري لجيش الاحتلال أوضح أن العملية نفذتها نحو 15 طائرة مقاتلة أطلقت أكثر من 10 ذخائر جوية متتالية، في مشهد يقترب من حرب مفتوحة لا من عملية نوعية محدودة. كما أُجريت عمليات للتزود بالوقود جوًا، في إشارة إلى أن العملية لم تكن ارتجالية بل عسكرية كاملة الأركان.
الأخطر من ذلك، ما كشفه الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد عن إبلاغ حكومة الاحتلال للإدارة الأمريكية مسبقًا، ما يطرح تساؤلات حول درجة التنسيق أو التغاضي الأمريكي عن انتهاك صارخ للسيادة القطرية.
موقف قطر: سيادة تحت القصف
قطر، الدولة التي استضافت لعقود جولات تفاوضية بين حماس وإسرائيل برعاية أمريكية ومصرية، وجدت نفسها فجأة هدفًا لصواريخ الاحتلال. وزارة الخارجية القطرية أدانت بأشد العبارات الهجوم، واعتبرته عملًا جبانًا وانتهاكًا فجًا للقانون الدولي ولسيادة الدولة. البيان الرسمي أشار إلى أن الجهات الأمنية والدفاع المدني تعاملت مع الحادث على الفور، واتخذت إجراءات لحماية المدنيين واحتواء تداعيات القصف.
هذا الموقف يعكس إدراكًا قطريًا لخطورة المساس بأمنها الداخلي. فالهجوم لا يهدد فقط الفلسطينيين المقيمين على أراضيها، بل يُدخل قطر ذاتها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وهو ما قد يعقّد دورها كوسيط تقليدي في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي. الرسالة القطرية كانت واضحة: “لن نتهاون مع أي سلوك إسرائيلي متهور”، ما قد يعني تحركات دبلوماسية واسعة في المحافل الدولية لمحاسبة الاحتلال.
دلالات إجرام الاحتلال: تصدير العنف للخارج
العملية في الدوحة ليست مجرد ضربة عسكرية، بل تعكس استراتيجية إسرائيلية جديدة تقوم على ملاحقة قادة المقاومة خارج فلسطين، حتى لو كان ذلك في عواصم آمنة ذات سيادة. هذا السلوك يفضح الطبيعة الإجرامية للاحتلال الذي بات يتعامل بمنطق العصابات: لا يلتزم بقوانين دولية، ولا يحترم سيادات، ويستبيح أراضي الآخرين تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”.
استهداف قادة حماس في الخارج يعيد إلى الأذهان سلسلة اغتيالات نفذها الاحتلال في لبنان، سوريا، وتركيا خلال العقود الماضية. غير أن نقل هذا النمط من العمليات إلى الدوحة يمثل تصعيدًا خطيرًا، إذ يضرب في عمق التحالفات السياسية والاقتصادية بالمنطقة، ويحرج دولًا لطالما سعت للعب دور الوسيط في الأزمات.
التداعيات الإقليمية والدولية
هذه العملية سيكون لها ارتدادات واسعة على أكثر من مستوى. إقليميًا، تضع الهجوم قطر في قلب الصراع وتفتح ملفًا حساسًا يتعلق بقدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات في منطقة الخليج. دول مثل الكويت وعُمان قد تجد نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف أكثر حذرًا تجاه استضافة وفود المقاومة أو حتى فتح قنوات مع أطراف النزاع.
أما دوليًا، فالهجوم يعكس ازدراءً إسرائيليًا واضحًا للأعراف والقوانين الدولية، ما يفرض على الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولية مضاعفة. فالهجوم ليس مجرد “عملية عسكرية” بل عمل عدواني ضد دولة ذات سيادة، يمكن أن يرقى لمستوى العدوان الدولي.
ختام: جريمة تتجاوز الحدود
نجاة وفد حماس من محاولة اغتيال إسرائيلية في الدوحة لا يُغيّر من حقيقة أن الاحتلال ارتكب جريمة مكتملة الأركان. إسرائيل لم تكتفِ بإبادة جماعية في غزة، بل صعّدت نحو استباحة أراضي دول أخرى، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وللنظام الإقليمي العربي.
رد قطر الحازم يفتح الباب لتصعيد دبلوماسي قد يحرج الاحتلال على الساحة الدولية، لكنه أيضًا يضع المنطقة أمام اختبار صعب: هل ستقف الأنظمة العربية موقف المتفرج على إجرام الاحتلال، أم ستدرك أن الصمت اليوم يعني أن يكون الدور عليها غدًا؟
ما جرى في الدوحة ليس مجرد حادثة عابرة، بل جرس إنذار بأن الاحتلال لم يعد يحارب الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد أمن واستقرار دول المنطقة كلها.
اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية جديدة على حمص واللاذقية.. دمشق تدين وتلوّح بالتصعيد