في خطوة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ انتهاء معارك حرب غزة، فرض رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير سلسلة إجراءات عقابية واسعة، شملت إقالات وإنهاء خدمات عدد من كبار الضباط، وذلك على خلفية الإخفاق في منع هجوم 7 أكتوبر الذي اعتُبر ــ وفق مسؤولين إسرائيليين ــ “أكبر فشل استخباراتي وعسكري” في تاريخ الاحتلال، والذي شكّل من جانب آخر نجاحًا غير مسبوق للمقاومة الفلسطينية في اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب ما نقلته هيئة البث العبرية، فإن القرارات جاءت بعد جلسات تقييم ومساءلة قاسية عقدها زامير مع كبار القادة، قبل إصدار توصيات بمعاقبة الضباط الذين كانوا في مواقع اتخاذ القرار قبيل هجوم “طوفان الأقصى”.

إقالات بالجملة: شطب كامل من الخدمة
شملت الإجراءات إنهاء خدمة عدد من الجنرالات في الاحتياط، وفي مقدمتهم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” السابق أهارون حليفا، وقائد المنطقة الجنوبية السابق يارون فنكلمن، ورئيس شعبة العمليات السابق أودي باسيوق، وجميعهم كانوا قد أُقيلوا من مناصبهم القيادية خلال العام الماضي، لكن القرارات الحالية تمثل عقوبة إضافية تتمثل في إنهاء خدمتهم الاحتياطية بشكل كامل، ما يعني شطبهم نهائياً من أي دور مستقبلي داخل الجيش.
كما قرر زامير إنهاء خدمة قائد فرقة غزة أفي روزنفلد في الاحتياط، بالإضافة إلى طرد ضابط استخبارات الفرقة من الجيش نهائياً، في خطوة تشير إلى تحميل مباشر لمسؤولية الإخفاق لمن كانوا على تماس مباشر مع قطاع غزة.
الهيئة العبرية أوضحت أن هناك ضباطًا آخرين ــ من بينهم قائد سلاح الجو تومر بار، ورئيس الاستخبارات العسكرية الحالي شلومي بيندر، وقائد سلاح البحرية دافيد ساعر سلمى ــ حصلوا على ما وُصف بـ”ملاحظات قيادية”، دون إقالة، في خطوة اعتبرها محللون محاولة لعدم تفجير المؤسسة العسكرية بالكامل، وإبقاء قدر من الاستقرار في مفاصل حساسة.
قادة كبار تغيّبوا عن جلسات الاستماع
وأشارت الهيئة إلى أن بعض الشخصيات المركزية لم تحضر جلسات الاستماع، بينهم حليفا وقائد وحدة 8200 السابق يوسي شريئل، لأسباب مرتبطة بالجدول الزمني، على أن يُستدعى الاثنان لاحقًا أمام “المحكمة الداخلية” الخاصة باستكمال الإجراءات وإنهاء خدمتهما الاحتياطية أيضاً.
هذه التطورات جاءت بعد نحو أسبوعين من تسلّم زامير التقرير الشامل الذي أعده الجنرال المتقاعد سامي تورجمان حول الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، وهو تقرير ضخم تضمن تفاصيل حول الفشل الاستخباراتي المسبق، وسوء التقديرات العملياتية، وتداعيات “العمى الاستراتيجي” الذي أصاب الجيش قبل الهجوم.
تداعيات متواصلة للهجوم… والجيش يهتز
منذ وقوع هجوم “طوفان الأقصى”، استقال عدد من كبار القادة والضباط، بمن فيهم رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي، وقائد المنطقة الجنوبية يارون فينكلمان، ورئيس شعبة العمليات عوديد بسيوك، ورئيس “أمان” أهارون حليفا، وجميعهم اعترفوا بشكل أو بآخر بتحمل مسؤولية الفشل في منع الهجوم.
ويرى تحليليون أن موجة الإقالات الحالية هي تجسيد حي لهول الصدمة التي أحدثتها عملية المقاومة، إذ لم يكن تأثيرها عسكرياً فقط، بل ضربت الصورة الذهنية للجيش الذي طالما روّج لنفسه بأنه “لا يُقهر”، وأقنعت الجمهور الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية ليست بالتماسك الذي كانت تروّج له.
7 أكتوبر: لحظة الانكسار الإسرائيلي ونجاح المقاومة
عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، التي هاجمت خلالها كتائب القسام ومستويات أخرى من المقاومة قواعد عسكرية ومستوطَنات محاذية لغزة، قُتل فيها وأُسر مئات الإسرائيليين، وأظهرت ــ بحسب خبراء إسرائيليين ــ أن الجيش كان “نائمًا في العسل”، وأن المقاومة الفلسطينية تمكنت من اختراق المنظومة الأمنية عبر هجوم متعدد المسارات، استخدم فيه مقاتلوها الأدوات التقليدية والرقمية ببراعة غير مسبوقة.
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها اعترفت بأن حماس عملت لسنوات على جمع معلومات استخبارية دقيقة عن الجيش، وأنها نجحت في تحديد نقاط الضعف، والتلاعب بتقديرات المستوى الأمني، وصولاً إلى اختراق السياج ومراكز القيادة والسيطرة في غلاف غزة.
هذا النجاح العملياتي للمقاومة ما يزال يلقي بظلاله على تل أبيب حتى اللحظة، إذ بات يُستخدم كـ”مقياس فشل” للمؤسسة العسكرية والاستخباراتية، وأعاد النقاش حول قدرة إسرائيل على حماية حدودها الجنوبية، ومدى جاهزيتها لحرب أوسع.
وقف إطلاق النار… وواقع جديد من الهشاشة
دخل اتفاق وقف إطلاق النار، في 10 من الشهر الماضي، حيز التنفيذ، لينهي حرباً إسرائيلية على غزة استمرت عامين كاملين، خلّفت أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني وأكثر من 170 ألف مصاب، في ما اعتبرته الأمم المتحدة ومنظمات دولية “إبادة جماعية مكتملة الأركان”، نفذتها إسرائيل بدعم أميركي مباشر.
وبرغم انتهاء العمليات الواسعة، فإن تقرير تورجمان، وما أعقبه من قرارات زامير، يثبتان أن الجيش الإسرائيلي لم يلتقط أنفاسه بعد، وأن تداعيات 7 أكتوبر لا تزال تضرب مؤسساته الأمنية والعسكرية بشدة، مع استمرار التشكيك الشعبي والسياسي في قدرة الجيش على منع هجوم مشابه أو الحفاظ على الردع.
مستقبل المؤسسة العسكرية: أزمة ثقة تتعمق
تشير التقديرات إلى أن الإقالات الأخيرة قد تُشعل أزمة جديدة داخل الجيش، إذ يرى بعض القادة السابقين أن إلقاء المسؤولية على الجنرالات وحدهم “تبسيط خطير” للمشكلة، وأن الفشل كان استراتيجياً وسياسياً بالأساس، يبدأ من المستوى السياسي بقيادة نتنياهو وينتهي بمنظومة الاستخبارات.
لكن الواضح أن ما بعد 7 أكتوبر لن يكون كما قبله، وأن نجاح المقاومة في اختراق وتحييد المنظومة الأمنية الإسرائيلية سيظل نقطة ارتكاز في أي تقييم مستقبلي للجيش، وفي كل محاولة لإعادة بنائه أو إصلاحه.
وبينما تتواصل الإقالات والتقارير والتحقيقات، تبقى الحقيقة التي تقلق الإسرائيليين أكثر من غيرها:
أن جيشهم الذي راهنوا عليه لعقود، سقط في أول اختبار حقيقي أمام مقاومة محاصرة منذ أكثر من 17 عامًا.
اقرأ أيضًا : صدمة بجيش الاحتلال.. حماس عطّلت دبابات “ميركافا” خلال هجوم الطوفان