في تطور يعكس عمق المأساة التي يعيشها المعتقلون السياسيون في مصر، وجّه القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، صلاح عبد الحق، رسالة عاجلة إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ناشده فيها التدخل الفوري والعاجل لإنقاذ حياة مئات المعتقلين في سجن بدر 3 – قطاع 2، الذين يعيشون أوضاعًا مأساوية تحت وطأة نظام عبد الفتاح السيسي، الذي بات يوثق قبضته القمعية عبر سجون لا تراعي أدنى معايير الإنسانية ولا نصوص القانون.

صرخة من بدر 3: إضراب عن الطعام في وجه الظلم

بحسب نص الرسالة، فإن معتقلي سجن بدر 3 يخوضون منذ 20 يونيو 2025 إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، احتجاجًا على ما وصفوه بـ”الاحتجاز غير الإنساني”، والحرمان المستمر من الزيارات العائلية ومقابلة المحامين لأكثر من 12 عامًا، في انتهاك فاضح للقانون المصري والدستور الذي يضمن للمعتقلين حقوقًا أساسية لا يمكن تجاهلها تحت أي ذريعة.

هذه المعاناة، وفقًا لعبد الحق، لم تعد قضية داخل السجن فقط، بل تحولت إلى جريمة ممنهجة تعكس نهج انتقامي أعمى يمارسه النظام المصري ضد كل صوت معارض، لدرجة سلب المعتقلين حتى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، في ظل غياب شبه تام لأي رقابة مستقلة أو مؤسسات حقوقية قادرة على التدخل.

ورغم التعتيم الإعلامي، تسربت شهادات من داخل السجن تفيد بتدهور الحالة الصحية لعدد من المعتقلين، وتعرضهم لمضاعفات خطيرة بسبب الإضراب، وسط تجاهل متعمّد من إدارة السجن التي تصر على تطبيق سياسة “الموت البطيء” لكسر الإرادة.

رسالة إلى شيخ الأزهر: هل تبقى الصمت؟

الرسالة الموجهة إلى شيخ الأزهر جاءت بلغة قوية ومباشرة، تستنهض ضمير المؤسسة الدينية في مصر، وتسائلها عن دورها في ظل هذا الصمت المطبق. 

إذ ذكّر عبد الحق بمكانة العلماء، ودور الأزهر الشريف التاريخي كملاذ للمظلومين، و”صوت الحق في وجه الجائرين”، مشيرًا إلى أن “علماء الأزهر كانوا دومًا كـالنجوم في الظلماء، والناطقين باسم مصر وأهلها في مواجهة الغزاة أو الطغاة”.

وتساءل المرشد العام: إذا كان الإسلام يحث على الرفق بالأسير الكافر المحارب، كما في قوله تعالى:

{ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا}،

فكيف يُقبل أن يُترك معتقل مسلم بريء يُعذَّب ويُحرَم من دوائه وطعامه وحقوقه، فقط لأنه يحمل رأيًا سياسيًا مختلفًا؟

كما استندت الرسالة إلى عدد من الآيات التي تُحرم الظلم وتجعله سببًا لهلاك المجتمعات، مثل:

{إنه لا يفلح الظالمون} و{الظلم ظلمات يوم القيامة}، وهي إشارات تحمل رسائل سياسية ودينية في آن، وتحمّل المؤسسة الأزهرية مسؤولية أخلاقية ودينية لم تعد قابلة للتأجيل.

نظام السيسي: هندسة القمع في سجن عصري

ما يحدث في سجن بدر 3 لا يمكن فصله عن السياسة العامة لنظام عبد الفتاح السيسي الذي عمل، منذ انقلابه على أول رئيس مدني منتخب عام 2013، على إعادة هندسة المنظومة العقابية لتكون أداة للانتقام السياسي. فسجن بدر 3، الذي تم افتتاحه ضمن سلسلة من السجون الحديثة، ليس سوى نسخة “مطورة” من سجن العقرب سيئ السمعة، حيث يتم عزل المعتقلين تمامًا عن العالم الخارجي، وتُستخدم فيه وسائل تعذيب نفسي وجسدي متطورة.

وقد وثّقت منظمات حقوقية دولية، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، شهادات مروعة عن ظروف سجن بدر، تشمل:

  • الحرمان من ضوء الشمس والهواء النقي
  • مصادرة المصاحف والكتب
  • قطع الكهرباء والماء لساعات طويلة
  • منع الزيارات والمحامين
  • التلويح بقتل المضربين في حال تدهورت حالتهم

ويستخدم النظام المصري هذه السجون ليس فقط لسجن الأجساد، بل لسحق الروح، وكسر أي رمز أو فكرة تُذكّر بثورة يناير أو بوجود معارضة حقيقية.

أين يقف الأزهر؟ وماذا تبقى من الضمير؟

جاءت رسالة الإخوان المسلمين في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد الأصوات المنتقدة لموقف الأزهر من قضايا الحريات العامة، وتصفه بـ”المتواطئ بالصمت” أو “الحيادي في زمن الجريمة”. فرغم مواقف قوية في بعض الملفات، خصوصًا القضية الفلسطينية، لا يزال الأزهر يتفادى مواجهة السلطة في الداخل، حتى عندما يتعلق الأمر بانتهاكات صارخة ضد رموز دينية وسياسية خلف القضبان.

إن الصمت على معاناة الآلاف من المعتقلين، الذين دخلوا السجون لا بتهم جنائية بل لمواقف فكرية وسياسية، يجعل من المؤسسة الدينية شريكًا في المعاناة، إن لم يكن بالصوت فبالتقاعس.

الخاتمة: صرخة لا يجب أن تُهمل

لم تكن رسالة صلاح عبد الحق مجرد وثيقة سياسية، بل صرخة إنسانية من قاع السجون، تستنجد بمن تبقى له سلطة أخلاقية في مصر. فإذا بقي الأزهر على الحياد، فمن ذا الذي يذكر الظالمين أن “دعوة المظلوم تُرفع فوق الغمام”؟ ومن ذا الذي يقول لهم إن “الظلم لا يدوم، وإن ما بُني على القهر، لا يُبنى عليه وطن”؟

إن إنقاذ معتقلي بدر 3 ليس قضية الإخوان وحدهم، بل قضية مصر كلها. لأن استمرار الظلم هو استمرار للخراب، وتغذيةٌ للتطرف، وإهدارٌ لأي أمل في المستقبل.

اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال