في وقت تشتعل فيه الجبهات العسكرية في مناطق واسعة من السودان، تبرز جبهة اقتصادية لا تقل ضراوة تدور رحاها حول “المعدن الأصفر”. فبينما يتربع السودان على عرش الإنتاج العربي ويحتل المرتبة الثالثة أفريقياً، يواجه قطاع المعادن مفارقة صادمة؛ إنتاج ضخم يقابله تصدير رسمي هزيل، وتسريبات مستمرة للثروة الوطنية تتهم فيها أطراف دولية ومحلية، وعلى رأسها الإمارات، بتأجيج الصراع عبر بوابة “الذهب المهرب”.
في حوار تحليلي مع “الجزيرة نت”، كشف وزير المعادن السوداني، نور الدائم طه، عن استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية إلى بناء منظومة رقابية واستثمارية تطمح لجذب 3 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية، رغم ظروف الحرب المعقدة.
نزيف الذهب.. الاتهامات تلاحق أبوظبي
تعد قضية تهريب الذهب السوداني الملف الأكثر سخونة على طاولة الوزارة. وتشير الإحصائيات التي أعلنتها شركة الموارد المعدنية إلى أن إنتاج العام الماضي بلغ 70 طناً، بينما لم يمر عبر القنوات الرسمية لبنك السودان المركزي سوى 14.5 طناً. هذا الفارق الشاسع الذي يتجاوز 55 طناً يطرح سؤالاً جوهرياً حول الوجهات النهائية لهذا المعدن.
التقارير الميدانية والسياسية تشير بوضوح إلى “نزيف” منظم يغذي جيوب المليشيات المتمردة، حيث تبرز الإمارات العربية المتحدة كوجهة رئيسية تلاحقها الاتهامات السودانية بالاستحواذ على الذهب المهرب. فبينما تنتشر قوات الدعم السريع في مناطق الإنتاج بإقليم دارفور وأجزاء من كردفان، يتم تهريب المعدن براً وجواً بعيداً عن رقابة الدولة، ليجد طريقه في النهاية إلى الأسواق العالمية عبر منصات تجارية إقليمية في الإمارات، وهو ما تصفه الدوائر الرسمية في السودان بأنه “سرقة لموارد الشعب” لتمويل المجهود الحربي ضد الجيش السوداني.
قوة مشتركة ورادع إلكتروني
لمواجهة هذا الواقع، أعلن الوزير نور الدائم عن تحركات حاسمة تتضمن:
- القوة المشتركة: ترتيبات لإطلاق قوة عسكرية وأمنية مشرفة (جيش، شرطة، مخابرات) لإغلاق المنافذ البرية والجوية أمام شبكات التهريب الدولية.
- الرقابة الإلكترونية: البدء في تطبيق نظام تتبع رقمي للإنتاج من المنجم إلى المصدر، للحد من التلاعب في أسواق الذهب التي تقلصت بفعل الحرب من 87 إلى 64 سوقاً.
- البورصة والمصافي: البدء في تركيب 3 مصافٍ للذهب لضمان القيمة المضافة داخل البلاد، مع التحضير لإنشاء بورصة الذهب في الخرطوم لربط السعر المحلي بالبورصة العالمية، مما يحفز المنتجين على البيع للدولة بدلاً من المهربين.
استثمارات بمليارات الدولارات رغم دخان المدافع
المفاجأة التي حملها حديث طه هي وجود تفاهمات لاستثمارات أجنبية ضخمة تصل قيمتها إلى 3 مليارات دولار من شركة أجنبية. هذا الرقم يعكس مرونة قطاع التعدين السوداني وقدرته على جذب رؤوس الأموال حتى في أحلك الظروف. ويرى مراقبون أن توجه المستثمرين نحو التعدين هو نتيجة طبيعية لتعطل قطاعات الصناعة والتجارة التقليدية بسبب الحرب، مما جعل التعدين “الملاذ الآمن” الوحيد للاقتصاد الوطني.
من جانبه، أكد محمد طاهر عمر، المدير العام لشركة الموارد المعدنية، أن القطاع استطاع زيادة الإنتاج من 64 طناً في 2024 إلى 70 طناً العام الماضي، مع عودة شركات دولية (روسية، مغربية، وأردنية) للعمل، بالإضافة إلى منح تصديقات لـ 163 شركة استثمارية، مما يقطع الطريق على المحاولات الخارجية لإضعاف قطاع التعدين الرسمي.
ما وراء الذهب.. تنويع المحفظة المعدنية
السودان لا يراهن على الذهب وحده؛ فالدولة تستعد لإطلاق خطة استكشاف كبرى ستبدأ من ولاية نهر النيل، تستهدف معادن إستراتيجية ونادرة (حديد، مايكا، غرانيت، ورخام). ووفقاً لأحمد هارون، مدير هيئة الأبحاث الجيولوجية، تسعى الخرطوم للاستعانة ببيوت خبرة عالمية من روسيا، الصين، تركيا، ألمانيا، وأستراليا، لجلب التقنيات المتقدمة اللازمة لاستخراج هذه المعادن، مما يقلل الاعتماد الكلي على الذهب ويخلق موارد جديدة يصعب تهريبها بنفس آليات تهريب المعدن الأصفر.
الخلاصة
يبدو أن معركة السودان لاستعادة سيادته على موارده هي معركة وجودية ضد محاولات الاستنزاف الخارجي. فبين طموحات الاستثمار الملياري وبين واقع السرقة الدولية التي تشير فيها الأصابع بوضوح نحو الدور الإماراتي، يجد وزير المعادن نفسه أمام مهمة شاقة: تحويل الذهب من وقود للصراع إلى حجر زاوية في إعادة بناء الدولة. النجاح هنا يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة “القوة المشتركة” في خنق ممرات التهريب، وفعالية “البورصة” في جذب المنتج التقليدي إلى مظلة الاقتصاد الرسمي.