في سابقة غير معهودة، أشعل مقطع مصور نشرته قناة “طوفان الأمة” على تطبيق تليغرام جدلًا واسعًا في مصر وخارجها، حيث يُظهر اقتحام شابين لمركز أمن الدولة في منطقة المعصرة بمحافظة حلوان، في مشهد قال ناشروه إنه احتجاج مباشر على سياسة نظام عبد الفتاح السيسي تجاه غزة، وعلى رأسها استمرار إغلاق معبر رفح، شريان الحياة الوحيد المتبقي لأهالي القطاع المنكوب بالمجاعة والحرب.

ورغم النفي الرسمي من وزارة الداخلية المصرية، التي سارعت لإصدار بيان وصفت فيه المشهد بـ”الفبركة الإخوانية”، فإن علامات الغضب الشعبي التي رافقت انتشار الفيديو، وما تبعه من تسريبات أمنية ووثائق داخلية، تكشف أن الحكاية أكبر من مجرد مشهد مفبرك أو احتجاج فردي، بل هي تجلٍّ لانفجار متصاعد ضد القمع والتواطؤ مع الإبادة الجماعية في غزة.

اقتحام رمزي يهز أركان السلطة

الفيديو الذي نشرته قناة “طوفان الأمة” يُظهر شابين ملثمين داخل أحد مكاتب جهاز أمن الدولة في حلوان، يحتجزان عددًا من الضباط، ويعلنان موقفًا صريحًا ضد المشاركة المصرية في الحصار المفروض على قطاع غزة، لاسيما عبر إغلاق معبر رفح.

وجاء في البيان الصوتي المرفق بالعملية تبنٍّ واضح للفعل، حيث قال أحد الشابين: “لسنا تابعين لأي جهة، نحن أحفاد عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص”، مضيفًا أن الهدف من العملية هو “إحياء موات شعب مصر الكريم ووقف الإبادة عن أهلنا في غزة”.

وما أعطى الفيديو مصداقية أكبر في عيون المتابعين هو عرض وثائق مسرّبة من قسم شرطة المعصرة، تُظهر أسماء عدد من المعتقلين المصريين الذين تم القبض عليهم خلال اليومين الماضيين بتهم دعم غزة أو الانتماء لجماعة الإخوان، في ما بدا أنه تأكيد لما تم تداوله عن اختراق مركز أمني فعليًا.

الغضب الشعبي يتجاوز “الخطوط الحمراء”

المقطع المصور، وبغض النظر عن حقيقة ما جرى على الأرض، أعاد رسم حدود الصراع بين السلطة والشعب في مصر، فحجم التفاعل الذي حظي به على مواقع التواصل الاجتماعي، من تعليقات ومشاركات وتحليلات، يكشف عن حالة متزايدة من الاحتقان الشعبي تجاه الموقف المصري من حرب غزة.

فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرضت غزة لأشد المجازر والمجاعات، ومع ذلك أبقت مصر معبر رفح مغلقًا لفترات طويلة، أو سمحت بدخول كميات محدودة من المساعدات، وسط اتهامات دولية للسلطات المصرية بالتواطؤ في سياسة التجويع الجماعي.

وقد أُرفقت هذه الاتهامات بحملات اعتقال طالت شبابًا وفتيات مصريات جمعوا مساعدات غذائية لغزة، الأمر الذي زاد من شعور الشارع المصري بالخذلان والمهانة، وهو ما يُفسر تنامي موجة المبادرات الفردية والاحتجاجات الرمزية رغم القبضة الأمنية.

داخلية السيسي تنفي.. والمصداقية تتآكل

في مواجهة موجة التفاعل، سارعت وزارة الداخلية المصرية إلى إصدار بيان رسمي عبر منصة “إكس”، تؤكد فيه “عدم صحة الفيديو المتداول”، وتصفه بأنه “إنتاج إعلامي مفبرك” يعود لمنصات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين. كما أعلنت “ضبط المتورطين في إعداد وترويج الفيديو”، دون تقديم أي أدلة مرئية أو توثيقية على ذلك.

هذا النفي الرسمي أثار مزيدًا من الشكوك بدلاً من تهدئة الرأي العام، خاصة في ظل تقارير سابقة عن استخدام النظام لنفس الاستراتيجية في نفي وقائع سابقة ثبتت صحتها لاحقًا، كحادثة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ووقائع التعذيب في السجون، وتسريبات المستشفيات الميدانية لضحايا التعذيب.

ففي ظل انعدام الشفافية الإعلامية، وسيطرة النظام على الصحف والفضائيات، بات الرأي العام المصري والعربي أكثر ميلًا لتصديق المنصات البديلة ومصادر الإعلام الشعبي، لا سيما إذا كانت تُرفق مقاطع مرئية أو وثائق تسريبية، كما حدث في هذه الواقعة.

مغزى رمزي أعمق من الفعل

سواء كانت العملية حقيقية بالكامل، أو رمزية جزئية، فإنها سلّطت الضوء على جملة من الحقائق المرّة:

  1. تصاعد السخط الشعبي: النظام الذي راهن على أن سياسة “الإرهاق والقمع” ستُسكت الشارع، فوجئ بأن غزة كانت شرارة جديدة لاستفزاز كرامة المصريين.
  2. صعود أشكال احتجاج مبتكرة: في ظل اختفاء المظاهرات التقليدية، باتت الاحتجاجات تأخذ طابعًا إلكترونيًا، أو رمزيًا كما في حالة “اقتحام المركز”، أو عبر مبادرات مثل “زجاجة أمل لغزة”.
  3. تآكل ثقة الشعب بالخطاب الرسمي: البيان الأمني الذي يفترض أن يُطفئ الحريق، بات مادة للسخرية والتشكيك، نتيجة إرث طويل من الأكاذيب والتلاعب.

    نهاية مفتوحة.. وغليان قادم

اقتحام مركز أمن الدولة – سواء تم بالفعل أو عبر رمزية غاضبة – ليس إلا مؤشرًا على حجم الغليان الذي يعتمل في الشارع المصري، خصوصًا مع تراكم الأزمات الاقتصادية، والتدهور المعيشي، والخذلان العربي تجاه غزة.

وفي ظل تزايد موجات الغضب الشعبي في أكثر من دولة عربية بسبب الحرب على غزة، يبدو أن المشهد المصري ليس استثناءً، بل قد يكون مقدمة لموجة جديدة من الاحتجاجات تتجاوز الحدود التقليدية، وتستهدف رأس السلطة مباشرة.

اقرأ أيضًا : حذف بيان الأزهر عن غزة يثير اهتمام الإعلام الإسرائيلي.. واتهامات بتدخل رئاسي مصري