يعيش الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية عمالية في البلاد، واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الممتد منذ تأسيسه، أزمة لم تعد محصورة في خلافات تنظيمية داخلية، بل باتت مرتبطة بسياق سياسي أوسع يتّسم بتضييق السلطة على الفاعلين الاجتماعيين والنقابيين في عهد الرئيس قيس سعيّد. فبين انقسامات داخلية غير مسبوقة، واستقالة ثم تراجع عنها، وتعليق إضراب عام وطني، تبدو المنظمة التي كانت تاريخيًا رافعة اجتماعية وسياسية أمام اختبار وجودي حقيقي.

انقسام غير مسبوق داخل المنظمة

الأزمة الحالية بلغت ذروتها مع إعلان الأمين العام نور الدين الطبوبي استقالته، قبل أن يتراجع عنها إثر وساطة قادها 42 نقابيًا. خطوة اعتُبرت صادمة داخل الأوساط النقابية، ليس فقط لأنها غير مسبوقة، بل لأنها كشفت حجم التصدع داخل هياكل الاتحاد، بين المكتب التنفيذي من جهة، والهيئة الإدارية التي تُعد ثاني أعلى سلطة تقريرية من جهة أخرى.

هذا الانقسام انعكس بوضوح في ملف الإضراب العام الوطني الذي أُعلن عنه ثم جرى التراجع أو “تعليقه” بشأنه، وسط تضارب في المواقف حول ما إذا كان قد أُلغي فعليًا أم أُحيل إلى المؤتمر القادم المقرر في آذار/مارس. وهو ما أضعف صورة الاتحاد كقوة موحّدة قادرة على فرض خياراتها.

جذور الأزمة: مؤتمر سوسة 2020

لا يرى نقابيون أن الأزمة وليدة الأشهر الأخيرة أو نتيجة مباشرة لغلق السلطة باب الحوار الاجتماعي فقط، بل تعود جذورها إلى مؤتمر سوسة سنة 2020، الذي شهد التمديد للطبوبي وسط اعتراضات واسعة، خاصة بسبب الفصل 20 المتعلق بالتراتبية والولايات. ذلك المؤتمر شكّل، وفق معارضين، نقطة انكسار في المسار الديمقراطي الداخلي للمنظمة، وفتح الباب أمام صراعات ما تزال تداعياتها مستمرة.

أزمة هيكلية أم سياسية؟

الناطق باسم المبادرة النقابية للمراجعة والإصلاح نورالدين الشمنڨي، وصف الأزمة بأنها “كبيرة ومعقّدة ومركبة”، معتبرًا أن عودة الطبوبي قد تُخفف التوتر لكنها “لن تحل الأزمة”. وأكد في حديثه لـ«عربي21» أن جوهر الأزمة هيكلي بالأساس، لأنها طالت مفاهيم القوة التاريخية للاتحاد والممارسة الديمقراطية داخله، مضيفًا أن المنظمة ما تزال تشتغل بآليات تقليدية في وقت تغيّر فيه العمل النقابي عالميًا.

إلى جانب ذلك، أشار الشمنڨي إلى أزمة طارئة مرتبطة بتعطّل الحوار مع السلطة، التي قال إنها عمدت إلى “محاصرة الاتحاد وتجفيف منابعه” لتمرير مشاريع لا تعبّر عن تطلعات التونسيين، في إشارة واضحة إلى سياسات قيس سعيّد الاقتصادية والاجتماعية.

السلطة على الخط وتكرار سيناريو 1978

من جهته، يرى النقابي المخضرم رشيد النجار أن ما يحدث ليس جديدًا في تاريخ الاتحاد، لكن استقالة الأمين العام تمثل حدثًا تاريخيًا غير مسبوق. واعتبر النجار أن الاستقالة كانت “مناورة ضغط” للهروب من الإضراب العام، مشيرًا إلى أن السلطة لعبت دورًا مباشرًا في تأجيج الأزمة بهدف إضعاف الاتحاد.

وحذّر النجار من تشابه الوضع الحالي مع أزمة 1978، التي شهدت صدامًا مفتوحًا بين السلطة والاتحاد، وترافقت مع تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. وأكد أن “هناك مشروعًا خطيرًا ضد الاتحاد والمنظمات الوطنية”، يقوم على إقصائها من مسارات الإصلاح والمفاوضات، وانتزاع ملفات العمال من يدها.

استعادة القوة… مهمة شبه مستحيلة

رغم ذلك، لا يُخفي النجار تشاؤمه من إمكانية عودة الاتحاد إلى سابق قوته، معتبرًا أن “الضربة كانت قوية”، لكن الحد الأدنى الممكن هو المحافظة على بقاء المنظمة وإعادة بنائها عبر قوانين جديدة وهيكلة مختلفة.

في المقابل، يذهب المعارض النقابي الحبيب جرجير إلى أبعد من ذلك، واصفًا ما يجري داخل الاتحاد بـ“العبث الواضح” المستمر منذ 2020. ويرى أن الأزمة أعمق من شخص الطبوبي، وتتعلق بمسار كامل من التجاوزات والانحرافات عن مبادئ المنظمة، مؤكدًا أن الاتحاد يعيش اليوم حالة عزلة وفقدان ثقة غير مسبوقة.

أزمة ثقة في زمن القمع

تتقاطع كل هذه الشهادات عند نقطة أساسية: الأزمة ليست تقنية ولا تنظيمية فقط، بل هي أزمة ثقة في سياق سياسي يتّسم بتضييق متزايد على العمل النقابي والاجتماعي. ففي ظل قمع قيس سعيّد للأجسام الوسيطة، وتهميش الاتحاد في السياسات العامة، يجد اتحاد الشغل نفسه أمام معركة مزدوجة: إصلاح داخلي صعب، ومواجهة سلطة لا تخفي سعيها إلى تحجيم دوره التاريخي.

وبين هذين المسارين، يبدو أن استرجاع القوة والمكانة لن يكون مهمة سهلة، بل مسارًا طويلًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات.

اقرأ أيضًا : حلب.. انشقاقات داخل «قسد» ونزوح مدنيين باتجاه منبج