في الرابع من مايو 2026، تحيي ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الذكرى التاسعة لتأسيسه وخطابات رسمية ركزت على تجديد العهد والدفاع عن تطلعات الشعب الجنوبي وبناء دولته المستقلة. ومع ذلك، فإن هذه المناسبة لا تعكس سوى جزء يسير من واقع سياسي وميداني بالغ التعقيد. 

إذ تشهد الساحة الجنوبية حالة من الانقسام السياسي الحاد، حيث ينظر الشعب والمكونات السياسية إلى ميليشيا المجلس الانتقالي، برئاسة عيدروس الزبيدي، ككيان مسلح موازٍ وممول من الخارج، يعمل على تقويض مؤسسات الدولة المعترف بها دولياً بدلاً من أن يكون ممثلاً حقيقياً للإرادة الشعبية.

وتأتي هذه الذكرى في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات مصيرية تتعلق بالسيادة الوطنية، والاقتصاد المتردي، ومحاولات تفريغ الساحة من التمثيل الوطني الحقيقي، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف التي يخدمها هذا المشروع المسلح في ظل تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.

البعد الإقليمي: صراع النفوذ واستخدام الميليشيات كورقة ضغط

تُشير التحليلات السياسية العميقة إلى أن بروز عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي لم يكن وليد الصدفة أو استجابة طبيعية لمطالب شعبية، بل جاء في سياق صراع نفوذ إقليمي معقد على الأراضي اليمنية الاستراتيجية. 

فمنذ التدخل في اليمن، سعت أبوظبي إلى بناء وتأسيس تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة والمؤسسات الشرعية.

ويرى مراقبون أن تمكين الزبيدي وتأسيس هذه الميليشيا المسلحة جاء بالأساس نكاية في المملكة العربية السعودية، واستخداماً لورقة المجلس الانتقالي للضغط على الرياض. وتهدف الإمارات من خلال هذا الدعم المالي واللوجستي والسياسي إلى تأمين مصالحها الجيوسياسية والتحكم في الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، مما جعل المشروع الانفصالي أداة لتعطيل استعادة الدولة اليمنية الموحدة ومحاولة فرض واقع جديد يخدم مصالح أبوظبي على حساب الاستقرار الداخلي اليمني.

تقويض مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

أدى الاعتماد على فصائل مسلحة خارج إطار الدولة إلى تراجع حاد في هيبة الحكومة الشرعية والقرارات السيادية. إن استمرار سيطرة الميليشيات على العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة أدى إلى تفكك البنية المؤسسية وتراجع الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وقد أثار هذا التوجه استياءً واسعاً من قبل المكونات السياسية والاجتماعية التي ترفض منطق القوة واحتكار السلاح، مؤكدة أن السلاح يجب أن يكون حصرياً بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية، وليس أداة ترهيب للمعارضين السياسيين والناشطين. وتؤكد التقارير أن الممارسات القمعية التي تنتهجها هذه القوات أسفرت عن تعميق الانقسامات المناطقية والقبلية، مما أدى إلى تدمير النسيج الاجتماعي بدلاً من تحقيق التوافق الوطني المنشود.

الشرعية الشعبية والمسار السياسي المتعثر

تحاول ميليشيا المجلس الانتقالي الترويج لنفسه على أنه الممثل الوحيد للجنوب، مستنداً في خطابه إلى ما يسميه “الشرعية الشعبية”. لكن هذه السردية تواجه معارضة شديدة من قِبل قوى ومكونات جنوبية ترى أن الشرعية الحقيقية تنبع من التوافق الوطني والانتخابات الحرة، وليس من فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.

ويؤكد المعارضون للمشروع أن التمسك بمسارات سياسية أحادية أو “إعلانات سياسية” لا تعبر عن كافة أطياف المجتمع الجنوبي، بل تدفع بالجنوب نحو مسارات غير جادة لا تفضي إلى حلول حقيقية، بل تزيد من حالة التشرذم والشتات السياسي الذي يخدم في نهاية المطاف الأجندات الخارجية.

الحاجة الملحة للحلول الشاملة والموقف الدولي

في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، بات من الواضح أن استمرار الاعتماد على الميليشيات المسلحة لن يحقق الاستقرار، بل يهدد أيضاً أمن الطاقة والتجارة العالمية في المنطقة.

وقد وجهت الأطراف السياسية والمجتمع المدني نداءات عاجلة للدول الفاعلة في الملف اليمني، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، بضرورة التدخل الجاد للاستماع إلى صوت الشعب اليمني والجنوبي بعيداً عن حسابات الميليشيات. 

ويشدد المراقبون على أن الحل الوحيد لتجاوز الأزمة يتمثل في العودة إلى الحوار الشامل، وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية محترفة تخضع لسلطة الدولة الموحدة، ووقف التدخلات الإقليمية التي تسببت في تدمير اليمن وإطالة أمد الحرب.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان