لم تكن تغريدة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام سوى شرارة قصيرة في معركة أراد لها اللوبي الصهيوني-الإماراتي أن تتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية داخل واشنطن ضد السعودية، لكنها انتهت سريعًا إلى عبء سياسي على صاحبها، وإلى إقرار ضمني بفشل المهمة.
فبعد ساعات قليلة من الضجيج الإعلامي، خرج غراهام ببيان مختلف النبرة، متصالحًا مع الواقع السياسي الأمريكي، مشيدًا بمحمد بن سلمان، ومؤكدًا احترامه لمسار المملكة وتقاربها مع دونالد ترامب. ذلك التحول لم يكن مجرد تراجع تكتيكي، بل اعتراف عملي بانسداد أفق الرهان الإماراتي في العاصمة الأمريكية.
![]()
ميزان واشنطن
ما جرى كشف بوضوح أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد تعمل كما في السابق. فالرهان على تحريك أصوات نافذة داخل الكونغرس لإرسال “رسالة تحذير” إلى الرياض اصطدم بحقيقة أن واشنطن، في لحظتها السياسية الراهنة، لا ترى مصلحة في فتح جبهة مع السعودية. لم تُبدِ الإدارة أي امتعاض، ولم يتحرك البيت الأبيض، واضطر غراهام إلى إعادة التموضع سريعًا حتى لا يجد نفسه خارج السياق العام. النتيجة: اللوبي الذي حاول تدويل الخلاف فشل في إنتاج موقف أمريكي موازن، بل كشف محدودية تأثيره حين تتعارض حساباته مع أولويات واشنطن.
انهيار الرهان
داخل أبوظبي، قُرئ هذا المشهد بوصفه انهيارًا كاملًا لمحاولة استثمار واشنطن كساحة صراع سياسي. فالضغط الإعلامي لم يتحول إلى قرار، والتهديد لم يتجاوز حدود التغريدة. الأسوأ أن الارتداد كان عكسيًا: بدل أن تُحرج السعودية، أحرج غراهام نفسه، ووجد اللوبي الصهيوني-الإماراتي أن أوراقه احترقت قبل أن تكتمل الجولة. هذا الفشل لم يكن معزولًا، بل جاء في سياق تراجع أوسع لقدرة أبوظبي على توجيه الإيقاع السياسي الأمريكي كما في السابق.
انعطافة الشرق
في هذا السياق تحديدًا، يُعاد فهم توقيت اندفاع محمد بن زايد شرقًا. فكلما أُغلقت أبواب واشنطن، اتجهت البوصلة نحو روسيا و**الصين** بحثًا عن صورة قوة بديلة. زيارة موسكو لم تأتِ من فائض نفوذ، بل من فراغ سياسي خلّفه الفشل في واشنطن. إنها محاولة لتعويض رمزي، ورسالة للداخل قبل الخارج، بأن أبوظبي ما زالت تملك خيارات، حتى لو كانت هذه الخيارات أقرب إلى الاستعراض البروتوكولي منها إلى الشراكة القادرة على تغيير موازين الملفات المفتوحة.
استعراض بلا مخرجات
الترويج الإعلامي المكثف لتفاصيل الاستقبال—من البساط الأحمر إلى المرافقة الجوية—كشف جوهر اللحظة: تعويض شكلي عن غياب اختراق سياسي حقيقي. فالبروتوكول لا يصنع نفوذًا، والصور لا تُنتج مكاسب إن لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. ما قُدّم بوصفه “استقبالًا استثنائيًا” لم ينعكس تغييرًا في المواقف الدولية ولا في مسار الأزمات الإقليمية، ما يؤكد أن الزيارة كانت محاولة لملء فراغ، لا تعبيرًا عن شراكة استراتيجية ناضجة.
ارتدادات داخلية
هذا الفشل الخارجي ترافق مع توترات داخلية في بنية الحكم الإماراتي. فإعادة ترتيب مراكز النفوذ، وتضخيم أدوار بعينها، لا يمكن فصله عن الإحساس بأن البيئة الإقليمية والدولية باتت أقل قابلية للاستجابة. حين تتعثر الأوراق الخارجية، يصبح الداخل ساحة لإعادة الضبط والاحتواء، في محاولة لضمان تماسك القرار وتفادي اهتزاز الصورة.
خلاصة المشهد
ما حدث في واشنطن لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل لحظة كاشفة. اللوبي الصهيوني-الإماراتي فشل في فرض إيقاعه، واضطر إلى الانكفاء، فيما اختارت أبوظبي الهروب إلى الأمام شرقًا، بحثًا عن رمزية تعوّض غياب التأثير. لكن الرمزية وحدها لا تكفي. فطالما بقيت المخرجات في حدود المجاملات، ولم تتجاوز مستوى الرسائل الشكلية، ستظل “نيران أروقة الحكم” مشتعلة، تعكس قلقًا أكثر مما تعبّر عن قوة، وتفضح هشاشة الرهان حين يُبنى على الاستعراض بدل النتائج.
اقرأ أيضًا : بريطانيا تلاحق شعار الانتفاضة وتضيّق الخناق على التضامن مع فلسطين