في مشهد يعكس تحوّلًا مقلقًا في تعامل الدولة البريطانية مع الحريات العامة، اعتقلت الشرطة في وسط لندن الناشط الحقوقي المخضرم بيتر تاتشل خلال مسيرة تضامن مع الشعب الفلسطيني، لمجرّد حمله لافتة كُتب عليها شعار «عولمة الانتفاضة». الاعتقال لم يكن حادثًا معزولًا، بل جاء في سياق سياسي وأمني مشحون، تتقدّم فيه سردية «الأمن» على حساب حرية التعبير، وتُعاد فيه صياغة معنى الاحتجاج السلمي بوصفه خطرًا ينبغي قمعه.

شعار تحت التجريم
قبل أسابيع من توقيف تاتشل، كانت اثنتان من أكبر قوات الشرطة في بريطانيا قد أعلنتا صراحة نيتهما اعتقال أي شخص يهتف أو يعرض شعار «الانتفاضة»، بزعم ارتباطه بما تسميه «معاداة السامية». هذا الربط الفضفاض، الذي يخلط عمدًا بين نقد الاحتلال الإسرائيلي وخطاب الكراهية، فتح الباب أمام تجريم الكلمات والشعارات، لا الأفعال. وبذلك، تحوّلت اللغة السياسية ذاتها إلى ساحة اشتباه، تُدار فيها المواجهة مع التضامن الفلسطيني بأدوات قانونية وأمنية.
حرية التعبير
الناشط البالغ من العمر 74 عامًا وصف توقيفه بأنه «هجوم مباشر على حرية التعبير»، مؤكّدًا أن كلمة «انتفاضة» ليست جريمة، وأن ادعاء عدم قانونيتها يُمثّل إساءة استخدام للسلطة. موقف تاتشل لا يصدر عن ناشط طارئ، بل عن شخصية عُرفت تاريخيًا بدفاعها عن حقوق الإنسان والحريات المدنية داخل بريطانيا وخارجها. ما يجعل الواقعة أكثر دلالة هو أن الاستهداف طال رمزًا حقوقيًا بريطانيًا، في رسالة واضحة إلى عموم المحتجين: سقف المسموح به يضيق.
سياق قمعي أوسع
اعتقال تاتشل يتقاطع مع حملة أوسع شملت توقيف 86 محتجًا داعمًا لنشطاء حركة فلسطين أكشن، خرجوا للتعبير عن تضامنهم مع عمر خالد، المضرب عن الطعام منذ 17 يومًا ضمن حملة «سجناء من أجل فلسطين». في الوقت ذاته، يواصل ثمانية نشطاء من الحركة نفسها إضرابًا مفتوحًا عن الطعام منذ أكثر من شهرين، احتجاجًا على احتجازهم دون توجيه لوائح اتهام رسمية، في إجراء يطرح أسئلة جدية حول الضمانات القانونية والإجراءات العادلة.
تصنيف وتجريم
تأسست «فلسطين أكشن» عام 2020، وبرز اسمها عقب حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من خلال احتجاجات مباشرة استهدفت شركات دفاعية بريطانية مرتبطة بتزويد إسرائيل بالسلاح. وفي يوليو/تموز 2025، صوّت مجلس العموم البريطاني بالأغلبية على إدراج الحركة ضمن قوائم الإرهاب وحظر أنشطتها، استنادًا إلى اتهامات بالتخريب والاقتحام. الحركة سارعت إلى الطعن قانونيًا في القرار، معتبرة أن التصنيف يفتقر للأسس القانونية ويستهدف العمل الاحتجاجي لا «الإرهاب».
دعم الاحتلال
يصعب فصل هذا التشدد الداخلي عن موقف بريطانيا الخارجي الداعم للاحتلال الإسرائيلي. فبينما تُقمع الأصوات المتضامنة مع فلسطين في الشارع البريطاني، تواصل لندن سياساتها التقليدية في حماية إسرائيل سياسيًا ودبلوماسيًا، والتغاضي عن جرائم الحرب المرتكبة في غزة. هذا التناقض الصارخ يُحوّل خطاب «القيم البريطانية» إلى أداة انتقائية، تُستحضر عند الحاجة، وتُعلّق حين يتعلّق الأمر بفلسطين.
ازدواجية المعايير
ما يجري اليوم يفضح ازدواجية المعايير في التعامل مع الاحتجاجات. فشعارات مناهضة لحروب أو سياسات دول أخرى لا تُواجَه بالمنع ذاته، بينما يُلاحق التضامن مع فلسطين باعتباره تهديدًا للنظام العام. توسيع مفهوم «معاداة السامية» ليشمل أي خطاب راديكالي ضد الاحتلال لا يخدم سوى إسكات النقد المشروع، ويقوّض في الوقت نفسه المعركة الحقيقية ضد العنصرية والكراهية.
مستقبل الاحتجاج
قضية بيتر تاتشل ليست مجرد حادثة توقيف، بل مؤشر على مسار مقلق يُجرّم الاحتجاج السلمي ويُعيد تعريفه بوصفه خطرًا أمنيًا. إذا استمر هذا النهج، فإن بريطانيا تخاطر بإفراغ فضائها الديمقراطي من مضمونه، وتحويل الشارع من ساحة نقاش ومساءلة إلى منطقة محظورة. وفي ظل حرب إبادة مستمرة في غزة، يبدو أن الدولة البريطانية اختارت، مرة أخرى، الوقوف في صف الاحتلال، ولو كان الثمن تقييد الحريات في عقر دارها.
اقرأ أيضًا : جيفري إبستين: وثائق بالملايين وحقائق مبتورة تلاحق السياسة الأميركية