في واحدة من أجرأ غاراته منذ انهيار نظام بشار الأسد أواخر 2024، نفّذ الاحتلال الإسرائيلي ضربات جوية مركّزة على مواقع عسكرية في محافظة درعا جنوب سوريا، أسفرت عن مقتل ضباط بارزين في الجيش السوري الجديد، على رأسهم المقدم محمود إبراهيم اليعقوب، أحد القادة الميدانيين البارزين في قوات النخبة، في تطور لافت يعكس تحوّلات خطيرة في قواعد الاشتباك ما بعد الأسد.
الضربة في التوقيت والموقع… رسالة إسرائيلية مزدوجة
التصعيد الإسرائيلي الأخير لا يحمل فقط طابعًا عسكريًا بل يحمل دلالات سياسية استراتيجية، إذ استهدفت الغارات أربعة مواقع عسكرية دقيقة، بينها مقر “الفوج 89” واللواء “132”، وهي تشكيلات مركزية في البنية الجديدة للجيش السوري المدعوم دوليًا، ما يُرجّح أن الغارات لم تكن عشوائية، بل موجّهة بدقة لضرب رموز الاستقرار والقيادة في جنوب سوريا.
منشق مقاوم إلى قائد نخبة.. من هو “أبو يعقوب محجة”؟
مقتل المقدم محمود اليعقوب يُعد خسارة موجعة لقوات النخبة السورية. الرجل الذي انشق مبكرًا عن جيش الأسد، شارك في أبرز المعارك ضد النظام بين 2012 و2018، وكان قائدًا ميدانيًا في معركة “الموت ولا المذلة” التي حررت حي المنشية بدرعا البلد، قبل أن يُجبر على الدخول في تسوية فرضها الاحتلال الروسي صيف 2018.
وبعد سقوط النظام، عاد اليعقوب إلى واجهة العمل العسكري، لكن هذه المرة في صفوف الجيش السوري الجديد، الذي تشكّل بدعم إقليمي ودولي كجزء من عملية الانتقال السياسي. وقد أوكلت له مهمة إعادة بناء الكتائب القتالية وتدريب وحدات النخبة، ما جعله هدفًا واضحًا للاحتلال.
اغتيالات مركزة: ضرب القيادة وتفكيك البناء العسكري
لم يكن اليعقوب وحده في قائمة المستهدفين؛ العقيد معمر إبراهيم، قائد فوج المدفعية في “الفرقة 40″، قُتل أيضًا، بالإضافة إلى مدير أمن “بصرى الشام” خالد الزعبي. هذا التشكيل في طبيعة الضحايا يدل على أن الاحتلال يستهدف ليس فقط القوة العسكرية، بل أيضًا مفاصل الأمن المحلي في الجنوب، في محاولة لإحداث فراغ قيادي يصعب تعويضه سريعًا.
دمشق صامتة… والشعب يحتج
في الوقت الذي التزمت فيه دمشق الرسمية الصمت، خرجت مظاهرات في مدن “نوى” و”الصنمين” وساحة “18 آذار” بدرعا البلد، تندد بالعدوان الإسرائيلي وتطالب برد رسمي لحماية السيادة الوطنية. هذا التحرك الشعبي، وإن لم يكن واسع النطاق، يعكس غضبًا متناميًا من استمرار الغارات دون رد، واعتبارها تطبيعًا ضمنيًا مع واقع الاحتلال.
الجولان في المشهد: توغل إسرائيلي بلا كوابح
تزامنًا مع غارات درعا، واصل الاحتلال الإسرائيلي تعزيز وجوده في هضبة الجولان، مستغلًا انهيار سلطة الأسد وانشغال القوات السورية بإعادة التموضع، حيث سيطر بشكل كامل على المنطقة العازلة، وتوغّل داخل أراضٍ إضافية، في خرق صارخ لاتفاقية فض الاشتباك ولقرارات مجلس الأمن الدولي.
تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن “الردع الإسرائيلي هو من فرض وقف إطلاق النار مع سوريا”، تُشكّل إعلانًا صريحًا بأن ما تريده تل أبيب هو جنوب منزوع السيادة، بلا جيش، وبلا قدرة على الرد، مهما تغيّرت طبيعة النظام الحاكم في دمشق.
ما الذي تخشاه إسرائيل من جنوب سوري جديد؟
إسرائيل تدرك أن الجنوب السوري – وخاصة درعا – هو خاصرة رخوة، ولكن أيضًا مصدر تهديد محتمل في حال استقر الجيش السوري الجديد وبدأ في إعادة بناء قدراته، خاصة إذا حصل على دعم إقليمي حقيقي. من هنا، تُفسّر هذه الغارات بأنها محاولة “استباقية” لضرب أي بنية عسكرية واعدة قد تهدّد أمن حدودها.
كما أن استهداف رموز لها تاريخ في مقاومة الأسد، وتتمتع بشعبية محلية، يُظهر خشية إسرائيل من نشوء قيادة جنوبية ذات نفوذ أمني ومجتمعي، يمكن أن تُعيد إحياء مشروع سوريا الموحدة المقاومة.
الاحتلال يختبر حدود الصمت السوري
الغارات الإسرائيلية على درعا ليست مجرد حادث عابر، بل جزء من استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد لتفكيك أي قوة عسكرية ناشئة في الجنوب، وضمان تفوقها الميداني عبر ضربات مركّزة تطال القادة والمقرات.
لكن يبقى السؤال: إلى متى سيبقى الصمت الرسمي هو الرد الوحيد؟ وهل ينجح الشارع الجنوبي في فرض معادلة جديدة تردع الاحتلال وتُعيد رسم التوازن بعد مرحلة ما بعد الأسد؟
اقرأ أيضا: غضب شعبي في سوريا ضد العدوان الإسرائيلي: “لا للطائفية.. نعم للوحدة”