في الوقت الذي يسعى فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الترويج لمشروع “نيوم” كواجهة لمستقبل المملكة المشرق والمستدام، كشفت صحيفة “إل باييس” الإسبانية عن جانب مظلم من هذا المشروع العملاق الذي تبلغ تكلفته المتوقعة نحو 8.8 تريليون دولار، ما يعادل 25 مرة حجم الميزانية السنوية للمملكة.
هذه الفضيحة لا تتعلق فقط بالأرقام الفلكية بل بأدوار شخصيات أجنبية، أبرزهم المسؤول الكتالوني أنطوني فيفيس، الذي تورّط في محاولات لطمس فوضى النفقات والتلاعب في البيانات الداخلية، في مشهد يسلط الضوء على شبكة معقدة من الفساد والمحسوبية وغض الطرف عن حقوق الإنسان.

تضخم تكاليف “نيوم” وأوهام البيئة المستدامة
مشروع “نيوم” الذي أُطلق كحلم طموح لتحويل الصحراء السعودية إلى مدينة ذكية خالية من الانبعاثات، بدأ يواجه تحديات مالية ضخمة وتحقيقات حول التكاليف المتصاعدة بصورة مريبة.
في تقريرها الصادم، ذكرت صحيفة “إل باييس” أن المشروع قد يشهد تكاليف تفوق 8.8 تريليون دولار، ما يعكس غياب الشفافية والرقابة المالية الحقيقية، في ظلّ محاولات للتستر على هذه الزيادة.
ما يزيد من غرابة الموقف هو أن السعودية، إحدى أكثر دول العالم تلوثًا بالكربون والانبعاثات، تسعى من خلال “نيوم” لتقديم نفسها كنموذج عالمي للبيئة الخضراء، في مفارقة تُثير تساؤلات حول جدية المشروع ومدى مصداقيته.
ومع تفشي الفساد الإداري والتلاعب بالمعلومات المالية، يتحول هذا المشروع من طموح بيئي إلى “واجهة بيضاء” لتجميل الاستبداد وتبييض الأموال.
أنطوني فيفيس… من برشلونة إلى الحويطات
أنطوني فيفيس، نائب عمدة برشلونة السابق، واليد اليمنى للعمدة خافيير ترياس، لم يكن مهندسًا معماريًا، لكنه لعب دورًا رئيسيًا في تخطيط المدينة الكتالونية وتأسيس معهد الهندسة المعمارية المتقدمة.
غير أن فيفيس لم يكن بعيدًا عن شبهات الفساد، فقد اتُهم في قضية “3 بالمئة” التي تتعلق بتمويل غير قانوني لحزب “التقارب الديمقراطي في كتالونيا”، ويواجه مطالبات بالسجن لمدة ست سنوات بسبب مخالفات متعددة.
بعد خروجه من المشهد السياسي الإسباني، قرر فيفيس الاتجاه نحو السعودية، تحديدًا إلى منطقة الحويطات في شمال المملكة، التي تشكل موقعًا استراتيجيًا لمشروع “نيوم”، وهناك، تسلّم مسؤولية الإشراف على مشروع “سندالة”، أحد المشاريع الأربعة الأساسية في المدينة.
لكن فضيحته الحقيقية ظهرت حين كشفت رسائل بريد إلكتروني داخلية عن توجيه مباشر من فيفيس لزملائه بعدم الحديث عن التكاليف المتزايدة للمشروع.
وجاء في أحد هذه الرسائل: “لا يجب أن نذكر التكاليف بشكل استباقي”، ما يدلّ على نية مسبقة للتضليل والتلاعب بالرأي العام والشركاء الدوليين.
ولم تتوقف الشبهات عند هذا الحد، بل كشفت عمليات التدقيق الداخلي عن “أدلة تلاعب متعمد لتبرير زيادة التكاليف” تورط فيها عدد من كبار مسؤولي المشروع، وسط غياب أي محاسبة واضحة من جانب السلطات السعودية.
دماء الحويطات على الرمال الذهبية
تزامن تعيين فيفيس في مشروع “سندالة” مع واحدة من أكثر مراحل “نيوم” دموية، إذ واجه سكان المنطقة من قبيلة الحويطات تهجيرًا قسريًا من أراضيهم. وقد وثقت منظمات حقوقية ووسائل إعلام عالمية، من بينها “بي بي سي”، مقتل زعيم قبلي على يد الشرطة السعودية، وتنفيذ أحكام إعدام بحق ثلاثة آخرين من أبناء القبيلة، الذين رفضوا مغادرة أراضيهم.
وهكذا، بدا أن المشروع الطموح لا يتقدم إلا على أنقاض السكان الأصليين، وبأوامر عليا لا تقيم اعتبارًا لحقوق الإنسان أو الكرامة.
وفي هذا السياق، لم يبدُ أنطوني فيفيس منزعجًا من هذه الانتهاكات، بل ظل في منصبه حتى نهاية 2024، قبل أن يغادره بصمت. لم يُعرف ما إذا كان خروجه بسبب “أسباب إنسانية”، أم لأنه شعر بأن المسرحية اقتربت من نهايتها، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الدولية ومطالب المحاكمة في بلاده.
ما هو مؤكد أن تجربته في السعودية ستزود أرشيفه المهني بمزيد من الفضائح، وربما بمادة خصبة لكتابة رواية مستقبلية عن “الحلم السعودي”، ولكن من وجهة نظر أوروبية، تتعامل مع الخليج كمنجم وظائف مؤقتة ونقطة هروب من العدالة الأوروبية.
مشروع نيوم… وهم الحداثة الذي يخفي نظامًا بوليسيًا
تكشف قضية فيفيس، كما وثقتها “إل باييس”، عن البنية الحقيقية لمشروع “نيوم”: واجهة براقة لمملكة تستثمر في الحداثة، بينما تبقي على جوهرها الاستبدادي القمعي.
فالفوضى المالية التي ساهم فيها مسؤولون أجانب، والتستر على التكاليف الباهظة، ومشاهد التهجير القسري والدماء التي سالت في سبيل “مدينة المستقبل”، تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت “نيوم” مشروعًا للتنمية، أم محاولة استعراضية لتجميل نظام ينهار من الداخل.
بوجود شخصيات مثل أنطوني فيفيس، الذين انتقلوا من قفص الاتهام في أوروبا إلى مواقع المسؤولية في الشرق الأوسط، يتحول المشروع من حلم للتقدم إلى مختبر للفساد العابر للحدود.
وبينما تستعد السعودية لاستضافة مؤتمرات المناخ والحديث عن المدن المستدامة، تستمر انتهاكات حقوق الإنسان خلف الكواليس، وتغرق المليارات في بحرٍ من الفساد.
يبقى السؤال: هل ستحاسب السلطات السعودية المسؤولين عن هذا التلاعب؟ أم أن فيفيس مجرد جزء صغير من منظومة أكبر تسعى لتلميع الديكتاتورية بالنموذج المعماري؟
اقرأ أيضًا : عاصفة اقتصادية تضرب النفط والمال: أوبك تضخ، وترامب يفرض والأسواق تنهار