بقلم: محمد حمدان

كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في تقرير تحليلي للكاتب تسفي برئيل، ملامح دور إقليمي خطير تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة، يتجاوز حدود الاستثمار السياسي والدبلوماسي إلى استخدام المرتزقة وتغذية الحروب بالوكالة، وصولاً إلى اقتراح صادم بنقل هذا النموذج إلى قطاع غزة، تحت غطاء ما يسمى «قوة الاستقرار الدولية».

ويأتي هذا الكشف في وقت لا يزال فيه مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل قوة دولية لحماية «غزة الجديدة» متعثراً، وسط غياب الحماس الدولي، باستثناء تركيا، وانتظار تشكيل «مجلس السلام» وصياغة الولاية القانونية للقوة.

مرتزقة بدل الجنود… الحل الإماراتي

ينقل تقرير «هآرتس» عن محلل إماراتي بارز، يعمل في وسيلة إعلامية محسوبة على أبوظبي، اقتراحه «حلاً مبتكراً» لمعضلة إرسال قوات إلى غزة. فعندما سُئل عن إمكانية مشاركة جنود إماراتيين، أجاب بلا تردد: «جنودنا لا… لكن يمكن إرسال مرتزقة كولومبيين».

هذا الاقتراح لم يكن نظرياً أو عابراً، بل استند إلى تجربة إماراتية سابقة، إذ أكد المحلل أن هؤلاء المرتزقة عملوا بالفعل لصالح أبوظبي قبل نحو 15 عاماً في حماية المنشآت النفطية، وشاركوا في حرب اليمن، ويمكن استدعاؤهم مجدداً مقابل «أجر مناسب».

سجل دموي… من اليمن إلى السودان

لكن ما تجاهله المحلل الإماراتي – أو تعمّد تجاهله – هو أن المرتزقة الكولومبيين أنفسهم يقاتلون حالياً في السودان، كعملاء غير مباشرين لأبوظبي، ويتحملون مسؤولية المشاركة في مجازر مروعة ضمن الحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من عامين.

ورغم نفي الإمارات المتكرر لأي تورط عسكري مباشر أو غير مباشر في السودان، إلا أن التحقيقات الصحفية، بما فيها تقارير «الغارديان»، تشير إلى شبكة تجنيد وتمويل واضحة، تبدأ من شركات أمنية مقرها الإمارات، مروراً بمعسكرات تدريب في الصومال، وصولاً إلى ساحات القتال في السودان.

تدريب أطفال… صناعة الموت بالوكالة

الأخطر في هذه المنظومة، بحسب التقرير، ليس فقط مشاركة المرتزقة في القتال، بل قيامهم بتجنيد وتدريب آلاف المقاتلين المحليين، من بينهم أطفال ومراهقون.

وينقل التقرير شهادة أحد المرتزقة الذين تحدثوا لـ«الغارديان»، مؤكداً أن معسكرات التدريب في السودان تضم آلاف الأطفال الذين لم يسبق لهم حمل السلاح، ويتم تدريبهم على استخدام البنادق الهجومية والرشاشات وقذائف «آر بي جي»، ثم يُدفع بهم مباشرة إلى الجبهات. وهنا تطرح «هآرتس» سؤالاً صادماً: هل هذا هو النموذج الذي يُراد نقله إلى غزة؟

تنافس سعودي–إماراتي يُغذّي الكوارث

يضع التقرير هذا الدور الإماراتي ضمن سياق أوسع من التنافس الإقليمي مع السعودية، والذي انعكس بشكل كارثي في كل من اليمن والسودان. ففي البلدين، تحولت الصراعات المحلية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي، على حساب مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين.

ورغم أن البلدين يقدّمان نفسيهما كشريكين للغرب وحلفاء لواشنطن، ويستثمران مليارات الدولارات في التكنولوجيا المتقدمة، إلا أن هذا «التحالف الظاهري» لم ينجح في إنتاج حلول سياسية، بل ساهم في تعقيد الأزمات.

اليمن… تفكيك الدولة باسم الشراكة

في اليمن، يسلّط التقرير الضوء على التناقض الصارخ في بنية السلطة. فبينما يوجد مجلس قيادة رئاسي معترف به دولياً، تظل الدولة مشلولة، والجيش مفكك، والحكومة غائبة.

وفي المقابل، يدعم الإماراتيون المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي يسيطر على ميليشيا قوامها نحو 50 ألف مقاتل، ويمضي قدماً في مشروع تقسيم اليمن، عبر السيطرة على عدن، ثم حضرموت والمهرة، وصولاً إلى أرخبيل سقطرى، حيث أقامت أبوظبي قواعد عسكرية يُعتقد أن بعضها يُستخدم أيضاً من قبل إسرائيل.

السودان… حرب الذهب والسواحل

أما في السودان، فتبدو الصورة أكثر قتامة. فالإمارات، بحسب التقرير، اختارت الاصطفاف إلى جانب محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد قوات الدعم السريع، المتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور، والذي ترتبط مصالحه الاقتصادية – خاصة تهريب الذهب – ارتباطاً وثيقاً بأبوظبي.

إلى جانب ذلك، تنظر الإمارات إلى السودان كرصيد استراتيجي غذائي وبحري، مستثمرة ملايين الدونمات الزراعية، وساعية للسيطرة غير المباشرة على سواحله المطلة على البحر الأحمر، ضمن صراع نفوذ إقليمي ودولي متصاعد.

مؤامرة تتكرر… والنتيجة واحدة

يخلص تقرير «هآرتس» إلى أن ما يجري في اليمن والسودان ليس سوى نموذج لما قد يحدث في غزة، إذا ما فُرضت حلول أمنية قائمة على المرتزقة وتقاسم النفوذ، بدل معالجة جذور الصراع.

وفي ظل موقف أمريكي «محايد ظاهرياً»، يحرص على عدم إغضاب حلفائه الخليجيين، تبدو الكوارث الإنسانية مرشحة للتكرار، فيما تتحول «قوى الاستقرار» إلى أدوات فوضى جديدة، تُدار من خلف الستار، وبأيدٍ مستأجرة.

اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة: سياسة إجرامية ممنهجة لتهجير الفلسطينيين من المنطقة (ج)