يتصدر اسم هاني بن بريك واجهة الجدل مجددًا في اليمن، مع عودة وثائق وتقارير أمنية مسرّبة إلى التداول، تتهمه بالضلوع غير المباشر في موجة الاغتيالات التي طالت مدنيين ودعاة وخطباء وأكاديميين في مدينة عدن خلال الأعوام التي أعقبت سيطرة التشكيلات المسلحة المدعومة إماراتيًا على المدينة. هذه الاتهامات، التي لطالما نفتها أطراف محسوبة على ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، تتقاطع مع سردية حقوقية متزايدة ترى أن ما جرى في عدن لم يكن فوضى أمنية عابرة، بل سياسة مُمنهجة لإعا
من داعية سلفي إلى رجل نفوذ أمني
بدأ بن بريك مسيرته كداعية سلفي، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الوجوه السياسية والأمنية في الجنوب، ويتبوأ موقع نائب رئيس ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التحول السريع لم يكن معزولًا عن المتغيرات الإقليمية، بل جاء متزامنًا مع صعود الدور الإماراتي في جنوب اليمن، وتشكيل منظومة أمنية موازية لمؤسسات الدولة الرسمية.
وخلال تلك المرحلة، تحولت عدن إلى ساحة مفتوحة للاغتيالات المنظمة، استهدفت شخصيات مدنية لا تحمل صفة قتالية، من أئمة مساجد وخطباء وأكاديميين ونشطاء اجتماعيين، ما فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول الجهة التي تقف خلف هذا النمط المتكرر من التصفيات.
وثائق تُعيد الاتهام إلى الواجهة
الوثائق المتداولة، التي تعود إلى عام 2017، تتضمن جداول عمليات وقوائم أسماء ومصاريف تشغيل، وتُظهر –بحسب من قام بتسريبها– تخطيطًا ممنهجًا لاستهداف مساجد وشخصيات اجتماعية بعينها في أحياء عدن. وتشير مصادر حقوقية إلى أن هذه العمليات تزامنت مع حملات إعلامية تحريضية، استخدمت تهم “الإرهاب” و“التطرف” كغطاء لتبرير القتل خارج إطار القضاء.
وتلفت هذه المصادر إلى أن معظم العمليات نُفذت في مناطق تخضع لسيطرة قوات موالية للمجلس الانتقالي، ما يضع قياداته السياسية والأمنية، وفي مقدمتهم هاني بن بريك، في دائرة المسؤولية السياسية والأخلاقية، إن لم تكن القانونية.
الإمارات.. دعم ميليشيا وتمزيق دولة
لا يمكن فصل هذه الاتهامات عن الدور الذي لعبته دولة الإمارات في جنوب اليمن، حيث تتهمها أطراف يمنية وحقوقية بدعم ميليشيات انفصالية خارج إطار الدولة، وتسليحها وتمويلها، بدل دعم مؤسسات الجيش والأمن الرسمية.
ويرى مراقبون أن هذا النهج أسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق مراكز قوى متصارعة، وتحويل الاغتيالات إلى أداة سياسية لإقصاء الخصوم وتصفية الأصوات الرافضة للمشروع الانفصالي. فبدل أن تكون “مكافحة الإرهاب” عنوانًا لحماية المدنيين، تحولت –وفق هذه الرؤية– إلى ذريعة لتصفية مدنيين خارج القانون.
عدن.. مدينة تحت القلق الدائم
بالنسبة لسكان عدن، لم تكن الاغتيالات مجرد أرقام في تقارير إخبارية، بل واقعًا يوميًا من الخوف والترقب. خُطباء يُغتالون بعد صلاة الفجر، وأكاديميون يُقتلون أمام منازلهم، دون أي تحقيق شفاف أو محاسبة حقيقية، ما رسّخ شعورًا عامًا بأن المدينة تُدار بعقلية أمنية انتقائية، تمنح الحماية لمن ينسجم مع مشروع سياسي محدد، وتُقصي من يخرج عنه.
نفيٌ سياسي وأسئلة بلا إجابة
في المقابل، ينفي هاني بن بريك وميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي أي علاقة مباشرة بتلك الاغتيالات، ويصفون الاتهامات بأنها “حملات تشويه سياسية”. غير أن غياب التحقيقات المستقلة، واستمرار الإفلات من العقاب، يجعلان هذا النفي غير كافٍ لإغلاق الملف، خاصة مع تراكم الشهادات والوثائق التي تشير إلى نمط متكرر لا يمكن تجاهله.
الخلاصة
تعيد هذه الاتهامات فتح أحد أكثر الملفات حساسية في جنوب اليمن: ملف الاغتيالات السياسية بحق المدنيين في عدن. وبينما يظل اسم هاني بن بريك حاضرًا في قلب الجدل، يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بالدور الإماراتي في تمزيق البلاد عبر دعم الميليشيات الانفصالية، وتحويل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوح. إن إنصاف ضحايا عدن لن يتحقق إلا بتحقيق مستقل وشفاف، يضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب، ويعيد الاعتبار لدولة القانون، بعيدًا عن سطوة السلاح والوصاية الخارجية.
اقرأ أيضًا : وزير يمني: تفكيك ميليشيا الانتقالي ودمج التشكيلات… استعادة الدولة وإسقاط المشروع الإماراتي